الجمعة، 13 نوفمبر 2020

 

الجمال - تحليل نص 'عش للجمال' لإيليا أبي ماضي

 

عِش لِلجَمالِ تَراهُ العَينُ مُؤتَلَقــــــــاً في أَنجُمِ اللَيلِ أَو زَهرِ البَساتينِ
وَفي الرُبى نَصَبَت كَفُّ الأَصيلِ بِها سُرادِقاً مِن نُضارٍ لِلرَياحيــــــنِ
وَفي الجِبالِ إِذا طافَ المَساءُ بِهــــا وَلَفَّها بِسَرابيلِ الرَهابيــــــــــــنِ
وَفي السَواقي لَها كَالطِفلِ ثَرثَــــرَةٌ وَفي البُروقِ لَها ضِحكُ المَجانينِ
وَفي اِبتِساماتِ أَيّارٍ وَرَوعَتِهـــــــا إِن تَوَلّى فَفي أَجفانِ تِشريـــــــنِ
لا حينَ لِلحُسنِ لا حَدَّ يُقاسُ بِـــــــهِ وَإِنَّما نَحنُ أَهلُ الحَدِّ وَالحيـــــنِ
فَكَم تَماوَجَ في سِربالِ غانِيَــــــــــةٍ وَكَم تَأَلَّقَ في أَسمالِ مِسكيـــــنِ
وَكَم أَحَسَّ بِهِ أَعمى فَجُنَّ لَـــــــــــهُ وَحَولَهُ أَلفُ راءٍ غَيرِ مَفتــــونِ
عِش لِلجَمالِ تَراهُ هَهُنا وَهُنــــــــــا وَعِش لَهُ وَهوَ سِرٌّ جِدُّ مَكنـونِ
خَيرٌ وَأَفضَلُ مِمَّن لا حَنينَ لَهُــــــم إِلى الجَمالِ تَماثيلٌ مِنَ الطيـــنِ

إيليا أبي ماضي

ملاحظة النص

يتضمن عنوان النص دعوة إلى جعل ” الجمال ” سببا للعيش وغاية في الحياة ، وهي دعوة توحي بأن الجمال أسمى قيمة تحيط بالإنسان ، وأنه في الطبيعة أظهر وأوفى ، وأنه يتجاوز الظاهر والشكل، ويكمن في التناسق المثير بين العناصر والانسجام الرائع بين الأجزاء، والتناغم اللامحدود للأشكال والحركة والألوان والأصوات والإيحاأت الدالة المتصلة بأكناه الأشياء وحقائق الموجودات ، وما يثيره في النفس من إحساس عميق ومعاناة ممتعة صادقة. ولعل لوحة فان غوغ المصاحبة للنص بألوانها وأشكالها السديمية ودلالاتها على نقاء الطبيعة وجمالها، ومضمون البيتين الأول والتاسع ، يعكسان هذا المفهوم. والنص لإيليا أبي ماضي الشاعر المهجري الذي جمع بين أحلام الرومانسية ونزعاتها الإنسانية وروحانية الأدب الأمريكي في مسحة تفاؤلية تدعو الإنسان إلى الالتفات إلى كل جميل ونبيل والابتعاد عن كل قبيح وشرير.

فهم النص

يستهدف الشاعر في البيت الأول الإنسان بشكل عام ، ويدعوه إلى معانقة الجمال المبثوث حوله في كل مظاهر الطبيعة مركزا على ما تلتقطه العين من أجزاء لها سحر خاص ووقع كبير على نفسية المتأمل ( النجوم والأزهار).

يستمر سرد منابع الجمال في الطبيعة من مطلع القصيدة إلى البيت الخامس استمرارا قائما على تحريك الجماد وبث الحياة فيه، وإلباسه المشاعر الإنسانية المثالية والحالمة بلغة تصويرية شفافة، وهكذا ينصب كف الأصيل في الربى خيمة من ذهب كبيرة لأزهار الرياحين ، ويلف الليل الجبال فيكسوها لباسا أسود كمسوح الرهبان يزيدها جلالا وجمالا، بينما السواقي تثرثر كالأطفال ثرثرة جميلة وبريئة وعذبة، والبروق تضحك ضحكا عريضا مدويا خاما وغامضا وملفتا كضحك المجانين، وتبتسم الطبيعة ابتهاجا ومرحا أواخر الربيع ، وتخلد للسكون استغراقا في التأمل الحكيم والهدوء الساحر أوائل الخريف.

الإنسان في نظر الشاعر عاجز عن استقصاء الجمال المحيط بالإنسان في الطبيعة والحياة ، لأن هذا الجمال لا نهائي وغير محدود، بينما يقف إدراك الإنسان وإحساسه عند حدود معينة مهما كان أصيلا وعميقا ومرهفا، ناهيك عن كونه متفاوتا من إنسان لآخر ومتجاوزا وظائف الحواس البسيطة وعملياتها الإدراكية السطحية وأشكال الظواهر المرئية وخصائصها العرضية، فقد يلتمس في مظهر حسناء فاتنة كما يلتمس في أطمار معدمة بائسة، وقد يدركه الأعمى، ويفتتن به، ويغفله المبصرون السذج.

يجدد الشاعر دعوته في آخر قصيدته للإنسان إلى الذوبان في الجمال والتقاط أسراره بالنظر المتأمل والاستبصار العميق الذي يتغلغل إلى المكونات الموجودة في الطبيعة والحياة ، فيستكشف ينابيع الجمال فيها التي تحيل الكون والإنسان إلى وجودج جميل ينبض بالسعادة والخير والأمل والحلم، ويخلص الإنسان من ميوله المادية الصرفة (تماثيل من الطين) التي تكبله وتستعبده.

تحليل النص

المستوى الدلالي

صاغ الشاعر دعوته للإنسان إلى رحاب الجمال بلغة تصويرية موحية رصدت مظاهر الجمال وكشفت عن أسرارها العميقة عبر نفس حجاجي اضطلع فيه الأسلوب بوظيفتين إقناعية وإمتاعية.

يتمفصل النص إلى ثلاثة مفاصل دلالية كبرى نعنونها كالآتي:

  • دعوة الشاعر الإنسان إلى الاستمتاع بالجمال المحيط به من كل جهة
  • إقرار الشاعر بعجز الإنسان محدود القوة الإدراكية عن الإحاطة بأسرار الجمال غير المحدود.
  • دعوة الإنسان إلى التخلص من قيوده المادية وإدراكه السطحي لسبر أغوار الجمال السحيقة في الأشياء.

المستوى الدالي

وظف الشاعر معجما فنيا غنيا بعناصر الطبيعة وصفات الجمال المتصلة بها كشأن الرومانسيين في اعتبار الطبيعة خزانا لا حدود له لمعاني الجمال وأسراره ، ويمكن تمثيل العلاقة بين هذين المكونين في الجدول التالي:

عناصر الطبيعة صفات الجمال المتصلة بها
الأزهار – النجوم – السواقي – البروق – شمس الأصيل – الجبال – الربيع ( أيار) – الخريف ( تشرين ) … الجمال – الائتلاق – ثرثرة الأطفال – ضحك المجانين – لون الذهب المسبل على الرياحين – سواد الليل وجلاله ورهبته – شموخ الجبال – الابتسام – انسدال الأجفان…

يغلب على لغة النص الطابع التصويري الإيحائي، حيث تستعار فيها أفعال الإنسان وملامحه وتسند إلى مكونات الطبيعة، وتشحن فيها بعض الألفاظ بدلالات تتجاوز المحمول الدلالي البسيط ، ومن أمثلتها: نصبت كف الأصيل سرادقا من نضار للرياحين ـ لف المساء الجبال بسرابيل الرهابين ـ ابتسامات أيار ـ ضحك تشرين ـ تماثيل من الطين …

استعمل الشاعر أدلة حسية وأخرى عقلية ليبين للمتلقي مكامن الجمال في الطبيعة في معادلات منطقية صارمة ولمسات حجاجية معقولة ومقبولة، فمن الاستدلال بالمحسوس استعراضه مظاهر الجمال الملتقطة بالمدارك الحسية البسيطة مما يشترك في التسليم به كل الناس، ومن الاستدلال بالمعقول تقريره أن أسرار الجمال خفية وغير محدودة تتطلب عمليات إدراكية معقدة يتفاوت الناس في إجرائها، وتستدعي تجاوز الوظائف البسيطة للحواس إلى الاستغراق في التأمل ، واستنفار الخاصية الإحساسية المرهفة والميزة الانفعالية المتدفقة والموهبة الذوقية الخلاقة التي تكفل الوصول إلى بعض من أسرار الجمال اللانهائية.

الأسلوب اللغوي

تكررت في القصيدة ألفاظ وعبارات بعينها مثل: ” عش للجمال” ، وحرف الجر ” في ” ، و”كم الخبرية” ، ولهذا التكرار وظيفة جمالية تنسجم مع مقصدية النص المتجلية في إبراز التدفق الهائل للجمال في محيط الإنسان تدفقا من شأنه أن يهبه الحياة الجميلة المفعمة بالحق والخير والنور والأمل والقدرة على الإبداع والتماهي في الجمال ، ووظيفة جمالية أخرى مؤثرة بما وفره من انسجام تركيبي ودلالي وكثافة إيقاعية.

تركيب وتقويم

النص نداء جميل موجه إلى الإنسان كي يسبح بكل حواسه الظاهرة والباطنة في مظاهر الجمال التي تكتنف الوجود وتصنع أجزاءه، متجردا من قيود المادة التي تعيق قدراته الإدراكية عن التوغل في عوالم الجمال الدفينة وأسراره المجهولة، وهو نداء يتوسل بلغة بسيطة ومناسبة يخلق فيها التكرار وكتل الصوت اللينة ومعجم الطبيعة والوجدان وتناغم المقاطع النغمية القصيرة والمتوسطة لبحر الخفيف عالما رومانسيا حالما ولحنا أثيريا متدفقا يشعان جمالا وإيحاء.

 

 

الجمال - مدخل مفاهيمي

 

مفهوم الجمال

 الجمال هو قيمة مرتبطة بالغريزة والعاطفة والشعور الإيجابي نحو الأشياء، فهو الحسن والنضرة والكمال، بما يتناسب فعلياً مع قيمة الشيء وحسنه، ومن الأحاديث عن الرسول ءصلى الله عليه وسلمء: "إن الله جميلٌ يحبّ الجمال"، والجمال في الغالب الأعم ليس له مقياسٌ واضح، أو ميزانٌ دقيق، فهو مسألةٌ نسبية، يختلف في تقديره والحكم عليها البشر، فعلى سبيل المثال: من يرى أن المرأة السمراء أجمل نساء الأرض، على عكس البقية التي ترى أن المرأة البيضاء هي المرأة الأجمل.

أهمية الجمال

الجمال ميزة ربانية، وضعها في خلقه، وميز كل فرد بميزة جمالية خاصة، إما ظاهرة أو باطنة، فمنهم ما هو جميل الخِلقة حسن المظهر، لطيف الملامح، ومنهم من هو صاحب الروح المرحة، والقلوب الطيبة الجميلة، ولم يخلق الله الجمال عبثاً إن كان في البشر أو في الطبيعة، وإنما هدف إلى لفت انتباه الناس إلى عجيب صنعه، وإبداع خلقه، والتأمل في إعجاز هذا الجمال للوصول إلى الإيمان بالله واليقين بوجوده، والتسليم لعظيم إبداعه.

مقومات الجمال

هنالك شروط متضمنة في الشيء حتى نصل إلى إطلاق لفظة الجمال عليه، ومن هذه المقومات:

  • السلامة من العيوب: فمن الجمال أن يكون الشيء مكتملاً لا عيب ولا انتقاص فيه، ولا خلل، فعلى سبيل المثال السماء فوقنا جميلة سليمة من العيوب التي قد تكون في انشقاقها، أو وجود ثغرات فيها.
  • التنظيم والتناسب والتناسق: فمن عظيم خلق الله وإبداعه أن خلق كلّ شيءٍ بقدر، فكل مخلوق في هذا الكون جعل الله فيه التناسب في الشكل واللون والطول والعرض، والحركة والصوت، وقد نلحظ أي تغييرٍ قد يتغير على الخلقة الأصلية، فترفضه العين، وتشمئز منه النفس، وأبسط مثالٍ على ذلك الإنسان الذي هو قطعة متناسقة متناسبة في الخلق، فشكله متناسب مع روحه، متناسق مع أعضائه.

أنواع الجمال

خلق الجمال مختلفاً يحمل أنواعاً عديدة، ليجعل الإنسان دائماً يتفكر، ويتقرب إلى الله تعالى، فجعل الجمال في هيئات مختلفة، ومن هذه الأنواع:

  • الجمال الحسي: وهو الجمال الذي ندركه بالعقل والقلب مع القدرة على لمسه، فهو متأصلٌ في أشكال الأشخاص، ومتواجدٌ في تعاقب الليل والنهار وما فيهما من شمس وقمر ونجوم، ومتضمنٌ في الطبيعة وما فيها من زروع وأشجار وورود.
  • الجمال المعنوي: وهو الجمال الذي لا يدرك إلا بالعقل والفكر والبصيرة المتفتحة، وهو يتمثل في الأقوال والأفعال، فجمال الكلام يكمن في القول الحسن، والكلمة الطيبة، وما تحمله الألفاظ من معاني ودلالات جميلة ومحببة إلى القلوب والعقول، أما جمال الأفعال فهو قرين الأقوال، فلا يثبت القول إلا بالفعل الطيب الراقي، وأجمل الكلام النطق بالشهادتين، وخير الأفعال العمل الصالح.

مجالات وميادين الجمال

الجمال لا يقتصر على الإنسان وحده، وإنما جاء في كثير من الصور الكونية منه:

  • الطبيعة: فكل ما في الطبيعة مثالٌ كاملٌ للحديث عن الجمال وتكوينه وكماله.
  • الإنسان: الإنسان بجميع تكوينه ميدانٌ كامل للجمال، فمراحل تطور الإنسان، أو صفاته الخلقية والخلقية، أهم النقاط التي تشرح ماهية الجمال.
  • الفن: فالفن هو الجمال الصناعي الذي سخره الله لعباده، لكي يبدع فيه ويسقط كل ما في نفسه من جمال عليه، مثل الرسم، وفن الخطوط، والعمارة والبناء.

أجمل ما قيل عن الجمال

  • جمعت الطبيعة عبقريتها فكونت الجمال (نزار قباني).
  • جمال بلا فضيلة، زهرة بلا عبير (سقراط).
  • قد يملك الحسناء رجل واحد، ولكنها تملك قلوب كثيرين. (مثل برازيلي).
  • ليس الجمال غالياً، الغالي هو الجميل (مثل ألماني).
  • الجمال بسمة الله والموسيقى صوته (جونسون).
  • من النادر أن يلتقي في المرأة فضيلة وجمال (آنون).
  • الجمال قوة، والابتسامة سيفها (تشارلز ريد).
  • أفضل قسمات الجمال قسمة تعجز الصورة عن التعبير عنها (فرنسيس بيكون).
  • الجمال العظيم يأسرني، ولكن الجمال الأعظم يحررني من أسر ذاته (جبران خليل جبران).
  • الجمال الطبيعي أنعكاس للروح، ولا يكون الشيء جميلاً إلّا بقدر ما يصدر عن الروح (هيغل).
  • الحقيقة غذاء العقل، والجمال غذاء القلب (شيلر).
  • كلما شاهد الإنسان جمالاً أرضياً تذكر جمال الله (أفلاطون).
  • أيها الجمال اكتشف نفسك في الحب، لا في تملق المرأة (طاغور).
  • كل شيء جميل لا يموت، بل ينتقل جماله إلى شيء آخر (توماس بيلي).
  • ما كان جميلاً فهو خير، وما كان خيراً فسرعان ما يصبح جميلاً (سافو).
  • من يتزوج امرأة جميلة يحتاج إلى أكثر من عينين (بوب).
  • الجمال سلام المرأة الوحيد الذي جعل الرجل يحتمل شعور الذل (باسكال).

 

 

 

 

 

التضامن - تحليل نص 'حبل الاجتماع' لمعروف الرصافي 

 

 

يعيش الناس في حال اجتماع فتحدُث بينهم طرق انتفــــاع
وتكثُر للتعاوُن والتفــــــــادي على الأيام بينهم الدواعــــــي
ولو ساروا على طرق انفراد لما كانوا سوى هَمَجَ رعـاع
رأيت الناس كالبنيان يسمــــو بأحجار تُسَيَّع بالسِيــــــــــاع
فيُمسك بعضه بعضاً فيَقْـــوى ويمنع جانبَيه من التداعــــــي
كذاك الناس من عجم وعُرْب جميعاً بين مَرعِـــــيّ وراع
قد اشتبكت مصالحهم فكــــلٌ لكلٍ في مجال العيش ســـاع
ولولا سعيُ بعضهم لبعـــــض لعاشوا عيش عادية السبـــاع
بذاك قضى اجتماع الناس لمّا أن اعتصموا بحبل الاجتماع
يساند بعضهم في العيش بعضاً مساندة ارتفاق وانتفــــــــاع
فتعلو في ديارهم المبانــــــي وتُخصِب في بلادهم المراعي
وتستعلي الحياة بهم فتُمســـي من العيش الرغيد على يَفاع

معروف الرصافي

ملاحظة النص

يوحي عنوان النص بخاصية من خصائص الإنسان، وهي انخراطه في حياة جماعية تشكل قوام و جوده ودعائم مدنيته، فالإنسان مجبول على هذا الطبع، مضطر إليه للحفاظ على بقائه وتوفير متطلباته، والعنوان '' حبل الاجتماع '' مستمد من مقدمة ابن خلدون حيث يرى أن الإنسان مدعو إلى الاجتماع لتوفير الغداء و مواجهة الأخطار، و هو ما يؤكده البيتين الأول و الأخير من النص الذين يشيان باجتماع عريض يتحقق فيه مفهوم التضامن على نطاق عالمي بما يحقق للإنسان حياة من السلام والازدهار.

فهم النص

يتحدت الشاعر في البيت الأول عن حياة الإنسان الاجتماعية حيث كل فرد في جماعة يقوم بعمل أو حرفة أو دور ما، ويتشكل من مجموع ذلك المنافع التي يتبادلها الناس، والتي تقوم عليها حياتهم، فالبناء والمهندس والطبيب والفلاح والعامل في المصنع والتاجر والسائق والمعلم والجندي كلهم يحتاج الواحد منهم إلى الآخر كي تستمر الحياة، و إلا كان الفناء.
أسباب كون الناس يتعاون بعضهم مع بعض ويفدي بعضهم بعضا كثيرة أهمها غريزة البقاء وطبيعة التحدي والرغبة في التفوق ونشدان الارتقاء وحب الحق والخير والطموح إلى الأفضل.
انتفاء صفة الاجتماع والتضامن بين الناس يعني انتفاء الحضارة وسيادة الهمجية وقانون الغاب والبدائية بكل أشكالها، و هو ما لا يمكن أن يحصل، لأن الإنسان، حسب رأي ابن خلدون و غيره، أضعف المخلوقات على الإطلاق في مواجهة الأخطار وتأمين الغداء مفردا.
شبه الشاعر الناس في البيت الرابع بالبنيان يشد بعضه بعضا، و يزيد السياع قوة و متانة.
ما يجمع بين الناس عربهم و عجمهم خضوعهم لنفس الناموس الذي تخضع له كل التجماعات البشرية، وهو تبادل المسؤوليات التي تحفظ كيان التجمع من التصدع أو التلاشي، واشتباك المصالح بما يضمن قيام الحياة بشكل طبيعي، فكل واحد ملزم بأداء دوره في المجتمع، مضطر إلى ذلك اضطراره إلى الماء والطعام، مقدم لغيره خدمة، مستفيد مقابلها منفعة، وهكذا.
قضى اجتماع الناس أن تتظافر الجهود لصناعة المدنية والتطور الحاصل على كل المستويات والأصعدة بما يوفر للناس الراحة والرفاهية والأمن بمفهومه الواسع، وكل ذلك بما يحققه التضامن والتعاون من تقدم علمي وصناعي واقتصادي وثقافي وفني ….

تحليل النص

يؤكد الشاعر في قصيدته على أهمية التضامن والتعاون في تحقيق الحياة الكريمة، وقد توسل في ذلك بلغة جمعت بين الترادف والاقتباس وتكرار الألفاظ والعبارات لبلوغ المقاصد الفنية والجمالية، ويمكن التمثيل لذلك ب:

  • استثمار الشاعر صورتين متناقضتين لما يمكن أن تكون عليه الحياة: الصورة الأولى: اجتماع الناس وتضامنهم، وينشأ عنها انتفاع بعضهم من بعض، وقيام حياة إنسانية كريمة. والصورة الثانية: انفراد الإنسان عن الإنسان وما يترتب عنه من حياة الهمج والبدائية والتخلف، بل والتصدع والتلاشي.
  • تكرار الألفاظ والعبارات الدالة على التضامن في القصيدة، ومنها: الاجتماع ـ التعاون ـ التفادي ـ يمسك بعضه بعضا ـ يقوي ـ جميعا ـ اشتبكت مصالحهم ـ كل في مجال العيش ساع ـ اعتصموا بحبل الاجتماع ـ يساند بعضهم بعضا …
  • حدد الشاعر سبل تعزيز التضامن بين الناس في تداخل مسؤولياتهم وتشابك مصالحهم، وحاجة بعضهم إلى بعض لبناء حضارة الإنسان وتأمين وجوده واستمراره.
  • يكثر الشاعر من الاقتباس من القرآن والحديث، ومن ذلك قوله: أن اعتصموا بحبل الاجتماع، حيث اقتبس كلمتين من سورة آل عمران : “واعتصموا بحبل الله جميعا…”، كما اقتبس من الحديث الشريف: ” المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا…” معنى البيتين الرابع والخامس.
  • وظف الشاعر التشبيه في النص ليخلق عالما من الصور أكثر تأثيرا في المتلقي، وأقدر على تفجير كمّ وافر من الدلالات، من ذلك قوله: رأيت الناس كالبنيان، لعاشوا عيش عادية السباع، كما استخدم الاستعارة لنفس الغرض: اعتصموا بحبل الاجتماع.
  • استثمر الشاعر التكرار بأشكاله المتعددة الصوتية والدلالية ليوفر للنص إيقاعا ينسجم مع الدلالة في تحقيق الوظيفة الإقناعية والإمتاعية من خلال الطابع التأكيدي والإلحاحي للكتلتين الصوتية والدلالية. ومن أمثلة ذلك : طرق ـ تسيع بالسياع ـ بعضه بعضا ـ مرعي وراع ـ العيش، يعيش، لعاشوا عيش ـ اجتماع، الاجتماع ـ يساند، مساندة ـ انتفاع…
  • يغلب على النص الطابع التقريري باستثناء ثلاث صور منها تشبيهان واستعارة، والغالب على وظيفتها البيان والتوضيح، ولعل الشاعر منشغل في مناقشة تصوره في موضوع طالما عالجه علماء الاجتماع، غير أن هذه التقريرية سكبت في قوالب تركيبية ودلالية شديدة الإيجاز، مشحونة بإيقاع صارخ، مما يجعل أدوات التأثير الجمالية لا تقل حضورا عن محمولات الدلالة المباشرة.

تركيب وتقويم

يحاول النص ترسيخ قيمة هي في الأصل خاصية إنسانية بنفس فني، لكنها تتعرض للكثير من الانحراف الذي يطال جوهرها فتتحول من قيمة إنسانية نبيلة إلى آلية انتفاعية بمسحة مادية حيوانية تزرع تحالفات الشر والاستغلال والقتل والسيطرة، غير أنه أكثر من تقرير الطبيعة الضرورية الميكانيكية للتضامن التي ينجم عنها ما ينجم من عمران وتقدم مهملا الطبيعة الاكتسابية التي تتطلب الوعي الناضج والتضحية والإيثار والتواضع ونشدان الأمن والسلم والتعاون في بيئات التواجد المشترك الطبيعية والثقافية والحضارية. وقد سعى النص بأدواته التعبيرية المبينية على الإيجاز والاستثمار البسيط للصورة البيانية وتكثيف الإيقاع إلى التأثير جماليا في المتلقي، رغم رتابة الجمل الإخبارية التقريرية التي يحد من رتابتها الانتقال من الفعل الماضي إلى المضارع، ومن المفرد إلى الجمع، ومن الشرط إلى التحقيق، إلى التخصيص، ومن المفعول به إلى المفعول المطلق، ومن الترادف إلى التكرارلفظا أو اشتقاقا.

 

 

 

 

 

 

التسامح - تحليل نص 'دعوة إلى التسامح' لمحمد الحلوي 

 

 

يَا أَخِي نَحْنُ فِي الحَيَاةِ على رَغْـــ مِ هَوَانَا وَأنْفِنَا أَخَــــــــــــــــــــــــــــــــــــوَانِ
نَحْنُ فِي زَوْرَقٍ تَقَادَفَهُ المَـــــــــــــــــوْ جُ عَدِيمِ الشِّرَاعِ وَالرُّبَّـــــــــــــــــــــــــــانِ
فَتَعَاَوَنْ مَعِي لِنُجَدِّفَ بِالأَيْـــــــــــــــــــ ـدِي فَنُرْسِي عَلَى جَنَاحِ الأَمَــــــــانِ
لاَ تَكِلْنِي وَنَحْنُ فِي عَالَمِ الأَهْــــــــــ ـوَالِ غَرْقَى نَخُوضُ فِي أَشْجَــــــانِ
لِمَ نَحْيَا عَلَى اخْتِلاَفٍ وَنَسْعَـــــــــى فِي افْتِرَاقِ كَأَنَّنَا ضِــــــــــــــــــــــــدَّانِ؟
لِمَ نَبْنِي وَنَحْنُ نَهْدِمُ جَنــــــــــــــــــــــــّا تٍ مِنَ الفَنِّ رَائِعَاتِ البَيَـــــــــــــــــانِ؟
لِمَ نَبْكِي وَفِي الطَّبِيعَةِ سِحْـــــــــــــــرٌ وَجَمالٌ وَصَبْوَةٌ وَأَغَانِــــــــــــــــــــــــــي؟
فِي السَّمَاءِ الزَّرْقَاءِ سَلْوَى وَفِــــي الرَّ وْضِ أَنِيسٌ وَفِي فُتُونِ الغَوَانِي
كُلُّ مَا فِي الْحَيَاةِ حُلْوٌ جَمِيــــــــــــلٌ يَتَغَنَّى بِأَطْيَبِ الأَلْحَــــــــــــــــــــــــــــــــانِ
فَارْفَعِ النَّايَ يَا أَخِي واشْدُ لَحْنــــاً عَبْقَرِيّاً يَهُزُّ مِنْ أَرْكَانِـــــــــــــــــــــــــــــــي
عَنْ لَحْنِ الصَّفَاء وَالسِّلْمِ وَالـحُـــــ ـبِّ وَزُفَّ البُشْرَى بِكُلِ مَكَـــــــــــــــــانِ
ثُمَّ ضَعْ فِي يَدِي يَدَيْكَ فَإِنَّــــــــــــــــا هَاهُنَا رَغْمَ أَنْفِنَا أَخَـــــــــــــــــــــــــــــــوَانِ
فَعَلَى مَا نَعِيشُ فِي هَذِهِ الدّنْــــــــــ ـيَا ذِئَاباً فِي صُورَةِ إنْسَــــــــــــــــــانِ!
ولِمَاذَا نَهِيجُ شَوْقاً إِلَى الحَــــــــــــرْ بِ نُعَانِي مِنْ نَارِهَا مَا نُعَانِــــــــــــي!
نَتَسَاقَى كَأْسَ الصّدَاقَةِ والْحُـــــــــ ـبِّ بِأيْدِي مُضَرّجَاتِ الْبَنَـــــــــــــــــانِ
أَكَذَا اخْتَارَ أنْ يَعِيشَ َبنُو الدُّنْــــــ يَا وَقُوداً يُضِئُ رَكْبَ الزّمَـــــــــــــــانِ!
يَتَفَانَوْنَ كَيْ يَعِيشُوا فَيِفْنَـــــــــــــــــوْ نَ ضَحَايَا مَطَامِعَ وَأَمَانِــــــــــــــي
أَيْنَ صَوْتُ الضّمِيرِ! وَلّى وَأَيْنَ الدِّ ينُ أَوْدَى يَا ضَيعَةَ الأَدْيَـــــــــــانِ
يَا أَخِي نَحْنُ فِي الحَيَاةِ رَغْـــــــــــ م هَوَانَا وَأنْفِنَا أَخَــــــــــــــــــــــــــــــــوَانِ
لِمَ نَحْيَا عَلَى اخْتِلاَفٍ وَنَسْعَـــــــــى فِي افْتِرَاقِ كَأَنَّنَا ضِــــــــــــــــــــدَّانِ!

محمد الحلوي

ملاحظة النص

عنوان النص خبر ومتعلقان به لمبتدأ محذوف لكونه معلوما يعمل النص على تجليته وتفصيل أبعاده، خاصة في البيت الأول والأخير والبيت الحادي عشر. ويتعلق الأمر بدعوة إلى التسامح والتحابّ والتآخي والتعاون على قيادة سفينة الحياة في بحر متقلقل، والتشارك في الاستمتاع بالصفاء والجمال والسلم والمحبة، ونبذ الأطماع والحروب وكل ألوان الصراع والمكر والوقيعة والجراح والآلام. دعوة أطلقها الشاعر المغربي الحديث محمد الحلوي متأثرا بالثقافة الإصلاحية، والنزعة الإنسانية الرومانسية، وواقع الاستعمار والحروب والتكالب على مناطق النفوذ والثروة.

فهم النص

وجه الشاعر نداءه في البيت الأول إلى الإنسان مطلقا مذكرا إياه بوشائج القرابة الطبيعية الجوهرية التي تربطه بغيره من بني جنسه، مستخدما لفظة ” أخي ” بصيغة الإفراد والتثنية، وضمير الجمع المتكلم، والجملة الإسمية الخبرية البسيطة للتأشير على أن مضمون النداء العاري من أدوات التوكيد يندرج ضمن المتيقن البسيط والمعقول المسلم به والبديهي الذي لا يحتاج إلى إثبات لاستبعاد كل أشكال المسافة المصطنعة التي قد تجعل منهما خصمين. مقرا في الوقت ذاته بوجود تلك المسافة المرتبطة بإرادات عرضية غير حرة تولدها نزعات شريرة، وميول أنانية، ويجسدها واقع ملموس، وتتمثل تركيبيا في أداة نداء البعيد ومعجميا في مادة دالة على الاختلاف.

يرى الشاعر أن دواعي التشارك والتماسك بين الناس أعظم من مبررات التفرق والاختلاف، فهم ينتمون إلى عالم شديد الاضطراب، تندر فيه مساعي التوافق والتفاهم، وتتضارب المصالح وتتفاقم الصراعات والمآسي، مما يحتم على الجميع التعاون لقيادة العالم إلى السلم وإرسائه على بر الأمان.

أطلق الشاعر في الأبيات 5 و6 و7 ثلاثة استفهامات أنكر فيها على الإنسان حبه للتصادم والصراع والمواجهة مع أخيه الإنسان، مع أن طبيعتهما الواحدة ومجالاتهما المشتركة تدفع إلى الانسجام والتكامل، وتدعو إلى الاستفادة من غنى الحضارة والفكر والفن والإبداع والاستمتاع بسحر الطبيعة وجمال الكون، بدل التدمير والتدمير المضاد، وزرع المآسي والأحزان، وهي أسئلة تراهن على قدرة الإنسان على كسب رهانات الحقيقة والخير والجمال التي تشكل السمات الجوهرية لماهيته وكنهه.

للشاعر نظرة خاصة إلى الحياة، وهي نظرة رومانسية حالمة، فيها غير قليل من الطوباوية التي تبحث عن عالم بديل للعالم الواقعي المبتذل وقيمه الرديئة، عالم ملؤه الصفاء والنقاء والمرح والأنس والجمال والإبداع والسلم والحب والأمل، وتمثل الطبيعة الجميلة بكل مكوناتها الصامتة والناطقة وأشكالها المتباينة رموزا لهذا العالم المثالي الذي يستمد مشروعيته كرؤية معقولة وطرح مطلوب من كون الإنسان أخ الإنسان، ولا يكون الأخوان إلا منسجمين، بينما تمثل الطبيعة المتوحشة ” الذئب ” رمزا لإنسان فقد روح الإنسان.

يرفض الشاعر قيم العالم الهمجي المتوحش القائم على تقمص أدوار الحيوانات المفترسة القائمة على العراك وإرضاء غريزة الطمع والسيطرة، والبحث عن السلم والحب والصداقة في مستنقع الدماء والعنف والكراهية والتربص.

يختم الشاعر قصيدته في الأبيات الثلاثة الأخيرة بدعوة صريحة مررها في جملتين استفهاميتين، بينهما نداء كرره في ثلاثة مواقع من النص منها مطلع القصيدة، إلى إعادة بعث الأدوار العظيمة للنخب المثقفة والمتدينة أصحاب الضمائر الحية في إرساء التقارب والتسامح والتعايش والسلم والمحبة.

تحليل النص

المستوى الدلالي

القصيدة صرخة قوية ضد القيم الرديئة التي توشك أن تحول الإنسان إلى وحش ضار يتخلى عن إنسانيته وما فيها من نبل وسمو وطهر وجمال وإبداع، ويمكن مفصلتها إلى أربع مفاصل دلالية نعنونها كالآتي:

  • الأبيات الأربعة الأولى: إطلاق الشاعر نداء الأخوة والتعاون في عالم مضطرب مخيف.
  • الأبيات من 5 إلى 12: استنكار الشاعر أشكال العنف والإقصاء والتمييز في عالم مفعم بالجمال والعذوبة محتاج إلى الصفاء والسلم والمحبة.
  • الأبيات من 13 إلى 17: دعوة الشاعر إلى نبذ الحروب والصراعات والمطامع.
  • الأبيات من 18 إلى آخر النص: حث الشاعر أصحاب الضمائر والمبادئ على إعادة الاعتبار لثقافة الحب والتسامح والتعايش.

وصف الشاعر الإنسان في ثنايا القصيدة بمجموعة من الأوصاف استقاها من واقعين: واقع كائن، وواقع مفترض، الكائن مرتبط بقيم سلبية ينكرها الشاعر مثل: (ذئابا – وقودا – غرقى نخوض في أشجان – مشتاق إلى الحرب – مضرج البنان بالدماء – ضحايا – ضدان…)، والمفترض متصل بقيم إيجابية يزكيها مثل: (أخوان – …)

يدعو الشاعر الإنسانية في القصيدة إلى التسامح والتعاون ممررا دعوته في نوعين من التركيب : مباشر قائم على خبر وإنشاء لا يتجاوزان ما يقتضيه الظاهر ولا تحتمل داخلهما المواد المعجمية أكثر من محمولاتها الدلالية الصريحة ، وغير مباشر متكئ على معان مستلزمة ودلالات سياقية وأدوار تركيبية وإيقاعية تتجاوز الإشارات الحرفية للكتل الصوتية واللفظية والعلاقات التركيبة، مما يؤشر على أن طبيعة النص الشكلية والمضمونية المنصهرة داخل رؤية جمالية رومانسية تتضافر بكل مكوناتها لدعوة الإنسانية إلى معانقة التسامح والجمال والنقاء.

المستوى الدالي

وظف الشاعر معجما مشبعا بألفاظ وعبارات دالة على الدعوة إلى التسامح، وهو معجم تشَكّل من ثنائية ضدية من القيم مرغوب فيها ومستنكرة، تنتشر على جسد النص بشكل متواز لتصنع مضمون نداء الشاعر إلى التسامح، ويمكن تمثيلها في الجدول الآتي:

القيم المستنكرة القيم المرغوبة
ضدان – الاختلاف – غرقى – نهدم – حرب – ضحايا – وقود – مطامع – يفنون – الافتراق – ذئابا أخوان – تعاون معي – لا تكلني – نبني – سحر الطبيعة – جمال – أغاني – لحن الصفاء والسلم والحب والبشرى – إنسان

النص قصيدة شعرية تختزن بعدا تصويريا كثيفا لا يخلو من تجديد في بعض ملامحه، رغم الطابع التقليدي العام لبناء الصورة، حيث تتوسل بالآليات البيانية من تشبيه واستعارة ومجاز، وتمتاح من الطبيعة والوجدان معظم أجزاء الصورة، فيمزج بينها على غرار التيار الرومانسي في الشعر، وهكذا يصبح العالم المضطرب زورقا فقد شراعه وربانه في بحر متلاطم الأمواج، ويصبح التسامح والتعايش تجديفا وإرساء على بر الأمان، والبغض والتصادم غرقا في الأشجان، ومكونات الطبيعة الساحرة رموزا للصفاء والعذوبة والجمال، والصفاء والسلم والحب ألحانا، والناي دعوة ، وبالمقابل فالإنسان ذئب ووقود، والدين ضائع ، وللضمير صوت، وغيرها من الصور الموحية.

الأسلوب اللغوي

للتكرار في النص بلاغة خاصة، سيما وأنه يتخذ أشكالا متعددة: صوتية ومعجمية وأسلوبية، ويعلن عن وظائف وأدوار دلالية وجمالية مؤثرة، منها التوكيد والإلحاح لتثبيت دلالة معينة في ذهن المتلقي، ومنها تكثيف القيم الموسيقية المكررة وتضخيمها لدعم تسلل الوحدات المعنوية المؤكدة إلى داخل المتلقي ومحاصرة حواسه، ومنها تأمين الكمّ الانفعالي المصاحب للمعنى عبر تكرار حزمة من الأساليب المتناغمة المدعومة بمواد معجمية وتركيبية متماثلة، ومنها ضمان متعة التلقي بتوزيع التكرار على مساحات تداولية متباينة ومنسجمة…

أكثر الشاعر من الأساليب الإنشائية، خاصة الاستفهام والأمر والنداء والنهي، وهي صيغ تتلاءم ومقصدية النص ورسائله الموجهة إلى الإنسان الداعية إلى التسامح ومعانقة الجمال، والرافضة للحروب والشنآن.

تركيب وتقويم

النص رسالة شعرية ذات بعد إنساني عام، تدعو الإنسان إلى التسامح والتعايش في عالم يتسع للجميع، ويوفر الكثير من إمكانيات تحقيق الرفاهية والسلم والمحبة والإبداع والاستمتاع بالجمال والصفاء والطهر، بعيدا عن ظلمات العنف والإقصاء والعدوان، وهي دعوة شكلت هاجس العقلاء وأصحاب الضمائر الحية، لكنها تصطدم بالوجه الآخر الكالح للإنسان، والذي لم يفتأ يستشري ويتعاظم داخل كيانات ولوبيات وقوى عظمى تتنكر لحقوق الإنسان رغم احتضانها لمؤسساتها، وتكيل بمكيالين وتفتح أبواب التأويل وتتذرع بالأعذار الواهية.

 

 

التسامح - مدخل مفاهيمي 

 

 

تعريف التسامح

التّسامح مفهوم يعني العفو عند المقدرة، وعدم ردّ الإساءة بالإساءة، والترفّع عن الصّغائر، والسُّموّ بالنّفس البشريّة إلى مرتبة أخلاقيّة عالية، والتّسامح كمفهوم أخلاقيّ اجتماعيّ دعا إليه كافّة الرّسل والأنبياء والمصلحين؛ لما له من دور وأهميّة كبرى في تحقيق وحدة، وتضامن، وتماسك المجتمعات، والقضاء على الخلافات والصّراعات بين الأفراد والجماعات، والتّسامح يعني احترام ثقافة وعقيدة وقيم الآخرين، وهو ركيزة أساسيّة لحقوق الإنسان، والديمقراطية والعدل، والحريات الإنسانيّة العامّة.

مبادىء اليونسكو حول التسامح

مفهوم التَّسامح من أكثر المفاهيم التي طُرحت بقوةٍ في نهاية القرن الماضي؛ كنتيجةٍ طبيعيّةٍ لانفتاح العالم على بعضه البعض، واختلاط الأجناس والأديان والأعراق بعضها ببعضٍ ممّا يتطلب وجود التَّسامح فيما بينهم لضمان التَّعايش؛ فعقدت العديد من اللقاأت والمؤتمرات، ونتج عنها إعلان سنة 1995م سنةً دوليّةً من أجل التَّسامح، وعلى أثرها طُلب من منظمة اليونسكو التَّحضير لوثيقةٍ تتضمّن مبادئ حول التَّسامح والذي اعتُمِد في صياغته على مبادئ حقوق الإنسان، وهي:

  • معنى التَّسامح هو الاحترام وقبول الآخر بكلِّ ما يرتبط به من ثقافةٍ وحضارةٍ وسُلوكٍ ودِينٍ وعِرق وغيرها من الاختلافات بين النَّاس في عالمنا، واعتبار التَّسامح ضرورةً مهمّةً في الحياة سياسيًّا وقانونيًّا وليس مجرّد فِعلٍ أخلاقيٍّ حميدٍ، وصفةٍ فُضلى تنشر السَّلام في العالم، وتساعد على إحلال ثقافة السَّلام والتَّعايش محلّ ثقافة الحرب ورفض الآخر.
  • التَّسامح لا يعني التَّنازل من طرفٍ لآخر، كما لا يعني المجاملة أو المحاباة بل هو موقفٌ يعتمد على الاعتراف الكامل والمُطلق بالحقّ الشَّخصيّ للإنسان والحريات الرئيسيّة للطَّرف الآخر.
  • التَّسامح هو الحلّ الأمثل والمفتاح السِّحريّ للوصول إلى مطالب رئيسيةٍ كحقوق الإنسان، والدِّيموقراطيّة، والتَّعدديّة، والتَّشاركيّة، وتقبل الآخر.
  • العمل على تطبيق مفهوم التَّسامح لا يكون بالأقوال بل بالاعتراف بحقّ كل إنسانٍ على وجه الأرض باختيار ما يُريد من حيث المعتقدات والمذهب والفِكر والنَّهج الذي يسير عليه، كذلك للطَّرف الآخر نفس الحقّ دون تفريقٍ أو تمييزٍ دون أنْ يكون لأحدٍ السُّلطة على فرض الرَّأي على الآخر.

أهمية التسامح

  • من يستطيع أن يكون متسامحاً فهو يُعتبر أقوى الأقوياء؛ لأن المسامحة والعفو لا يقدر عليها إلا من يشعر بالثقة بنفسه والقوة، كما أنَّ قبول الشخص الآخر على مساوئه يدل على قوة الشخص.
  • يكسب المتسامح الأجر والثواب من الله تعالى، كما أنّه يكسب محبة الناس وثقتهم به وحب مجالسته ومخالطته؛ فالشخص المنتقم يجعل من التعامل معه أمراً صعباً خوفاً من انتقامه أو إساءته.
  • تفريغ الطاقة السلبية ممّا يشحن الجسم بالطاقة الإيجابية؛ فالكره والحقد ورد الإساءة بالإساءة يولِّد في الجسم طاقةً سلبيةً مما يجعل الشخص غير قادرٍ على الإنتاج والتفكير والإبداع.
  • يزيد التسامح من ترابط أبناء المجتمع الواحد معاً، وينشر المحبة والألفة فيما بينهم، ممّا ينتج مجتمعاً قوياً ومتماسكاً من الصعب اختراقه والسيطرة عليه.

أقوال عن التسامح

  • التسامح يصبح جريمة عندما يطبق على الشر. توماس مان
  • أريد الرحيل لأرض جديدة، لأرض بعيدة.. لأرض وما أدركتها العيون ولا دنستها ذنوب البشر.. أريد التنقل بين الكواكب يوماً أسافر بين النجوم ويوماً أنام بحضن القمر.. وحيناً أغني كمثل الطيور وحيناً أظلل مثل الشجر.. أريد الرحيل لأرض المحبة، أرض التسامح، أرض السلام لكل البشر. عبد العزيز جويدة (شاعر مصري)
  • لا أحب كلمة التسامح ولكن لا أجد كلمة أفضل منها. المهاتما غاندي
  • التسامح هو الذي يعطي للصواب قوته وقدراته على الامتداد وتحقيق النصر. رجاء النقاش
  • من لا يستطيع التسامح يهدم الجسر الذي يجب أن يعبره هو نفسه. هربرت جورج ويلز
  • لا يوجد انتقام أكمل من التسامح. جوش بيلينجز
  • التسامح هو الشكل الاخير من أشكال الحب. رينولد نيبور
  • كن شديد التسامح مع من خالفك الرأي فإن لم يكن رأيه كل الصواب فلا تكن أنت كل الخطأ بتشبثك برأيك. فولتير
  • الرحمة أعمق من الحب وأصفى وأطهر، فيها الحب وفيها التضحية وفيها إنكار الذات وفيها التسامح وفيها العطف وفيها العفو وفيها الكرم، وكلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية وقليل منا هم القادرون على الرحمة. مصطفى محمود
  • من دون التسامح لن يكون هنالك مستقبل. ديزموند توتو
  • التسامح يعني أن تمنح لنفسك الفرصة لكي تبدأ بداية جديدة. ديزموند توتو
  • التسامح هو أن تمنح الكراهية بداخلك غرفة صغيرة جداً في قلبك. تشول سو
  • الأصل في التسامح أن تستطيع الحياة مع قوم تعرف يقيناً أنهم خاطئون. محمد كامل حسين
  • وإن الكره ليرتجف أمام الحبّ، وإن الحقد ليهتز أمام التسامح، وإن القسوة لترتعش أمام الرقة واللّين. ايمن العتوم
  • ‏لن تستطيع أن تعطي بدون الحب، ولن تستطيع أن تحب بدون التسامح. إبراهيم الفقي
  • مسؤولية التسامح تقع على من لديهم أفق أوسع. جورج اليوت
  • التسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل. نيلسون مانديلا
  • إذا سمعت كلمة تؤذيك فطأطىء لها حتى تتخطاك. عمر بن الخطاب
  • إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه، فالتمس له العذر جهدك، فان لم تجد له عذرا، فقل : لعل له عذر لا أعلمه. أبو قلابه الجرمي
  • من عاشر الناس بالمسامحه، زاد استمتاعه بهم. أبو حيان التوحيدي

 

 

 

 

 

مفهوم الحداثة - تحليل نص 'رأي في الحداثة' لمحمد عابد الجابري

 

سياق النص

النص محاولة من الدكتور محمد عابد الجابري للخوض في جدل عريض يدور في العالم العربي بشكل خاص حول مفهوم الحداثة وخلفياتها الفلسفية وتحققاتها الفعلية وعلاقتها بمنظومة القيم السياسية والاجتماعية والفنية وبماهية الإنسان في عالم رأسمالي يمجد الفرد ويقدسه، ولا يؤمن سوى بقدراته العقلية والمادية المتطورة باستمرار، إنه نوع من الإضافة التي يحاول الجابري ممارستها على مفهوم يبدو منفلتا من قبضة التحديد العلمي الصارم، ومرتبطا بقيود الواقع ورهانات المرحلة التاريخية وسيرورة المنجز الحضاري المتعدد والمختلف. ومن ثم فالنص مجرد رأي للباحث المغربي في الفلسفة والفكر والحضارة، ينبثق من قراءة لتحققات الحداثة في الأمم المتقدمة المشاركة في صناعة المشهد الحضاري العالمي الراهن سواء في أوربا أو أمريكا أو آسيا، وانعكاساتها على تداول الظاهرة وتنزيلها في واقع عربي تسوده أنظمة قروسطية.

ملاحظة النص

يطرح العنوان والملفوظ الأول والأخير في النص إشكال محاصرة مفهوم الحداثة معرفيا الذي يبدو أنه غير ممكن ، طالما أن بنية التصور المرتبط به نسبية ، وتثير الكثير من الجدل في علاقتها بالاختلاف الذي يسم الفكر والواقع لدى مهتمين متعددي المرجعيات والهويات والقناعات، والثابت الوحيد في الحداثات في نظر محمد عابد الجابري كما تحدده النظرة العمودية للنص هو انبناؤها على العقلانية والديموقراطية والحرية والحقوق، وما عدا ذلك فمجرد مواقف وممارسات لاعقلانية ولا علاقة لها بترقية الإنسان ماديا وفكريا واجتماعيا، وهو الهدف الرئيسي للحداثة. ذلك ما سنتحقق منه أثناء تحليلنا للنص.

فهم النص

يطرح النص حزمة من التصورات والقراأت المرتبطة بالحداثة تروم تصحيح بعض الأوهام والمغالطات التي رافقت هذا المفهوم في المتداول العربي فكريا وسياسيا واجتماعيا ، نجملها فيما يلي:

  • رفض الكاتب أن تكون الحداثة مفهوما مطلقا جاهزا ومغلقا، وربطه إياها بتحققاتها الواقعية وشروطها التاريخية التي أفرزت حداثات مختلفة في أوربا والصين واليابان والعالم العربي.
  • حصر الكاتب مفاصل الحداثة في العقلانية والديموقراطية المتجذرتين القادرتين على استئصال كل مظاهر الاستبداد، وتأصيل حداثة خاصة فاعلة في الحداثة العالمية لا منفعلة فحسب.
  • انتقاد الكاتب أصحاب الموقف الفردي الذين يتبنون الحداثة العالمية الجاهزة ، واعتباره طرحا انعزاليا جبريا وقسريا ومتجنيا على الغير رغم ما يوحي به من اشتعال الهدم وإعادة البناء داخل ثقافة ما ، وتأكيده على أن جوهر الحداثة، ليس التحديث من أجل التحديث، وإنما تحديث الذهنية والمعايير العقلية والوجدانية يتجاوز قيمة الفرد في ذاته ليطال الثقافة العامة.
  • رفض الكاتب دعوى من يرفعون شعار الحداثة لأجل الحرية الفردية فقط ، ويرفضون العقلانية لأجل القيود التي تفرضها على الحرية ، معتبرا دعواهم صدى لتيارات حداثية غربية معزولة، ومؤكدا على أن العقلانية في العلاقات والتصورات والسلوك في الحياة الفردية والجماعية هي سر التقدم الغربي.
  • اعتبار الكاتب أن الثورة التكنولوجية والمعلوماتية أخرجت العقلانية الغربية إلى لاعقلانية قوضت خصوصية الإنسان ككائن حر، أويسعى إلى استكمال وجوده الحر، ونقلت العلم والتكنولوجيا من خدمة الإنسان وحريته وحقوقه إلى إنتاج وسائل التدمير والتجسس والمحاصرة والتطويع، والرد الطبيعي سيمون بالتأكيد رفض هذه اللاعقلانية .
  • نسف الكاتب لموقف بعض أدعياء الحداثة العرب المتلبسين بالموقف العقلاني الغربي دون مرعاة اختلاف الواقع هنا وهناك، على اعتبار أن اللاعقلانية عند العرب مرتبطة بأشكال التخلف والاستبداد الي تقسم المجتمع إلى قطيع وراعي على شاكلة أنظمة القرون الوسطى ، ومن ثم فهذه اللاعقلانية المختلفة تاريخيا تحتاج أولا إلى العقلانية والديموقراطية التي بدأ بها الغرب الصناعي، بعبارة أخرى إلى نهضة وأنوار ومابعدهما.

تحليل النص

المستوى الدالي

يتوزع ألفاظ النص حقلان دلاليان رئيسيان هما: حقل الفكر والفلسفة، وحقل التاريخ والسياسة. ويمكن بيان كتلة انتشارهما في النص من خلال الجدول الآتي:

حقل التاريخ والسياسة حقل الفكر والفلسفة
ظاهرة تاريخية – شروط – ظروف – حدود زمنية – خط التطور – الصين – اليابان – أوربا – تجربة ياريخية – الوضعية الرهنة – الديموقراطية – الاستبداد – النظام – الغرب الصناعي – الاقتصاد – الإدارة – مؤسسات الدولة – الثورة التكنولوجية والمعلوماتية – القرون الوسطى – سلوك القطيع – عصا الراعي  … المعاصرة – العالمية – الحداثة المطلقة – النسبية – النهضة والأنوار – العقلانية – التراث – فاعلين – منفعلين – الأطروحة – المشكلة – التجربة – الفرد والغير – الجماعة – النقد – الإبداع – الثقافة – الذهنية – المعايير العقلية والوجدانية – العلم – التكنولوجيا – القيمة – الخصوصية – الكينونة – السلوك – اللاعقلانية – العلاقات – التصورات – الفكر – الحرية الفردية – الحقوق  …

وبتأملنا للمواد المعجمية المشكلة للحقلين بشكل متواز ومتساو تقريبا يتضح بجلاء أن الحداثة مفهوم وتجل، له خلفية فكرية وفلسفية تصنع أيقوناته التصورية التي تتكيف بشكل من الأشكال مع السياقات الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تشرط وجودها وتقولبها في قوالب تحافظ على المادة الخام للحداثة المرتبطة بتطوير حياة الإنسان تطويرا عقلانيا نفعيا يقود إلى الاكتمال والقوة والاكتفاء، وتحريرها من كل قيود الوصاية والكبت والانتهاك والتخلف، ولكن بمنطلقات ومسارات ونتائج مختلفة تبعا لطبيعة اللحظة التاريخية وذكاء الاستجابة ومرونتها وخاصية الإبداع والقدرة على التجاوز والتحدي لدى الجماعة والثقافة المعنية.

المستوى الدلالي

يرى الكاتب أن الحداثة من أجل الحداثة لا معنى لها، لأنها بذلك تتحول إلى مجرد شعار، أو قناع شكلى وإجراأت سطحية تزيينية لا عمق لها ولا جذور، وتؤول في النهاية إلى محاولة لسلخ الذات وجلدها واقتلاعها من شروط وجودها دون تأصيل للحرية والإبداع والتنمية والإنتاج، ولذلك يؤكد الجابري على كون الحداثة تجربة تاريخية عميقة تكابدها المجتمعات المدعوة نامية، ولكل مجتمع حداثته وفهمه الخاص للحداثة الذي لا يختلف عن التصور النموذجي لها في العمق ، لأنه يستحضر تاريخيته وجدلية الكوني والخاص في حياة الشعوب، فالحداثة نمط من المعرفة والسلوك يصعب استيعابه وتطبيقه دون فهم الشروط الذاتية لمجتمعات ما زالت تعيش التخلف والتقليد والاستبداد، هكذا تصبح الحداثة في نظر الجابري مشروعا معقدا لا مجرد شعار، أو نمط من الإيديولوجيا المسخرة في صراعات مفتعلة ، أو من أجل السطو على السلطة وتكريس مزيد من التبعية والجمود والتخلف ، مشروعا يضع ضمن أولوياته تثبيت العقلانية والديموقراطية كشرطين أساسيين لقيام أية حداثة، وبهذا تكون الحداثة إنجازا وليست نماذج للاستهلاك والإسقاط كما يحصل عندنا ، ولذلك فشلت حداثتنا، إنها صيرورة طويلة ومعقدة ومسبوقة بالوعي الحداثي العقلاني وببناء ديموقراطية حقيقية ، لا منطلقا علميا وسرا تمتلكه النخبة ، أو كائنا جاهزاماضويا أو مستوردا.

عمد الكاتب إلى اتباع سيرورة حجاجية من أجل الدفاع عن وجهة نظره ، والرد على معارضيه، ويمكن تتبع مراحل هذه السيرورة من خلال الجدول الآتي :

الأطروحة الحداثة موقف فردي وتحقيق للحرية الفردية الحداثة اختلاف في مفهوم والتطبيق محكوم بالصيرورة التاريخية لأمة ما، مشروطة بالعقلانية والديموقراطية.
نقيض الأطروحة الحداثة مفهوم كوني جاهز، ونسق فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي متكامل.
الاستدلالات شرط الفاعلية يقتضي الفهم الخاص للحداثة.
قصر الحداثة على الحرية الفردية يضرب مبدأ العقلانية كشرط لها.
اختلاف اللحظة التاريخية وشروط تحقق الحداثة في الأماكن المتعددة يدحض دعوى أصحاب المنظور الأحادي.
المحصلة المنطقية الحداثة ظاهرة تاريخية مرتبطة بصيرورة التطور ومشروطة بتوفر التفكير والسلوك العقلانيين والنظام الديموقراطي الحقيقي ـ رفض المطلق والجاهز يؤكده واقع الحداثة وتجاربها.

النص من حيث البنية المنطقية رد على معارض ضمني من سماته أنه من دعاة الحداثة بمفهومها الإطلاقي الشمولي المؤسس على الديموقراطية الليبرالية والعلمانية والعقلانية التجريبية المادية والعلمية والتقدمية والحرية الفردية وحقوق الإنسان باعتبارها نماذج ناضجة ونهائية في الفكر والممارسة الغربية حققت بعدها العالمي بعدما تبنتها المؤسسات والهيئات ذات القرار في المنتظم الدولي، وقد قام الجابري بتمحيص الرأي المعارض وإخضاعه للتحليل المنطقي وصولا إلى بيان ثغراته التي أضعفت حمولته المنطقية وقوته الاستدلالية، وحولته إلى خطاب إسقاطي دغمائي يبتعد عن جوهر الحداثة الذي من أجله حصل ما حصل في الغرب من تقدم، والمرتبط أساسا بتجذير التحول إلى العقلانية والديموقراطية بناء على إكراهات الخصوصية ومتطلبات المرحلة التاريخية والحيز المكاني ( الواقع الراهن ).

الأسلوب اللغوي

استعمل الكاتب روابط لغوية متعددة تناسب سيرورة الحجاج في النص ومن ضمنها استئناف الفقرات والجمل بألفاظ تحيل إلى الوثوقية وتعضد النزعة التمثيلية الاستقرائية ، وتؤمن الوظيفة الإقناعية من قبيل (الواقع أنه ، العمود الفقري الذي يجب ، فعلا لقد عمت العقلانية…) في جمل خبرية دقيقة في أبعادها الإشارية المباشرة والتي تركن أحيانا إلى الاطمئنان إلى بديهيات فلسفية مثل (ليست هناك حداثة مطلقة ـ الحداثة ظاهرة تاريخية ـ كلا ليست الحداثة موقفا فرديا إلا من حيث ارتباطها بالنقد والإبداع…)، ومن ضمنها أدوات التوكيد ( إن ـ أن ـ اللام ـ قد …) والعطف (الواو ، الفاء ـ عطوف البيان والنسق ) والقصر بأساليبه المختلفة (إنماـ النفي والاستثناء …) وتعابير التفسير والتفصيل (وبعبارة أخرى ـ باعتبار أن …)، وضمائر الفصل (إن الحداثة عندنا هي النهضة…، إن العمود الفقري هو العقلانية …) وأساليب النفي والإثبات وهي كثيرة ومسخرة لتثبيت موقف ونسف آخر، وأنماط من التكرار النسقي أو الدلالي أو بغرض التوكيد والتفسير( تكرار لفظ الحداثة ـ تكرار ألفاظ ذات حمولة فلسفية ـ تكرار نواسخ وأفعال وأسماء وقيود…)، والاستدراك والإضراب (ولكن مع ذلك ـ بل هي دوما ـ بل لقد خرجت …) وجمل الاعتراض (إن الحداثة هي، على الرغم من الأهمية التي تعطيها للفرد، ليست من أجل ذاتها …) وبعض أساليب التعريض والسخرية (بعض مدعي الحداثة عندنا يقلدون ـ بعض أدعياء الحداثة …)، وضمير النحن المضخم للذات المتحدثة باعتبارها ذاتا موثوقا بها في مضمار الحجاج والمناظرة الضمنية (نحن نعتقد أنه ـ فإننا لن ننجح …)، كل ذلك من أجل ضمان الاتصال الدلالي بين مكونات الملفوظ الحجاجي، وزيادة حدة الحضور الإيقاني للمعروض المنطقي، ووضع المتلقي في سياق تأويلي يحتاج إلى كثير من التركيز والانتباه، وربط المحمولات المنطقية بعضها ببعض تأمينا للانسجام وتلافيا للتناقض.

تركيب وتقويم

عرض النص مفهوم الحداثة باعتباره ظاهرة تاريخية مشروطة بالسياق الزمني والمكاني الخاص ومرتبطة جدليا بالعقلانية والديموقراطية، ونازع معارضي هذا المفهوم ممن يعتبرون الحداثة مفهوما كونيا كاملا لا يتجزأ يؤخذ كما هو باستدلالات منطقية قادته إلى تأكيد أطروحته التي نسج خيوطها في بداية النص، واستثمر العدة الأسلوبية الداعمة للحجاج بما فيها من روابط لغوية ومنطقية واستعمالات تعزز الوظيفة الإقناعية للغة المستعملة. وفي رأينا أن الحداثة كنموذج غربي منوه به، بالفهم الخاص أو الكوني، وإن حققت الكثير من التقدم العلمي وطورت الحياة المادية والاجتماعية للإنسان ، انتهت إلى تفريغ قيم العالم الحر من مدلولاتها بما أخفته من براغماتية ترتكز على منطق السوق والتجارة وتسوغ الهيمنة والاستعمار ونهب خيرات الشعوب الضعيفة وإخضاعها للتبعية وتبرر العنف والحروب ضدها ، وتهدد البيئة وتشوه الطبيعة الإنسانية، وتعتمد مقياس التبادل نموذجل أوحد للتواصل البشري حتى أصبح الأفراد في المجتمع الغربي ذرات مستقلة لا تربطها سوى علاقة الحاجة والمصلحة.

 

 

 

 

 

 

التضامن - مدخل مفاهيمي

 

 

مفهوم التضامن

يُقصد بالتضامن الاتحاد ومعاونة الغني أو القويّ للإنسان الفقير أو الضعيف، وهو سلوك إنساني يتمثل في تخفيف آلام ومعاناة الناس، وتقديم المساعدة للآخرين عند الحاجة، ويستمد التضامن قواعده من التعاليم الدينية والمواثيق والقوانين الدولية، ومن الشعور الداخلي في كل إنسان سويّ سليم يؤمن بأن الإنسان مخلوق ضعيف يحتاج في مرحلة ما إلى مساعدة الآخر، وهي قيمة إنسانية تضمن استقرار المجتمعات وتقدّمها.

التضامن هو مسؤوليّة تقع على عاتق الأفراد والجماعات كلٌّ حسب قدرته وحسب موقعه ودوره، والتخلّي عن التضامن إنما هو تخلٍّ عن روح الإنسانية، وهناك بعض المجتمعات التي تقتصر في تضامنها على من هُو في محيطها من أقارب وجيران، بينما يعتبر آخرون أنّ التضامن يجب أن يكون بينه وبين كلّ من هو بحاجة له من خارج مجتمعه وعلى اختلاق دينه واهتماماته السياسية الأُخرى، فتراهم يبحثون عن المحتاجين من مختلف أنحاء العالم ليُقدّموا لهم كُل ما في وُسعهم لمساعدتهم.

مفهوم التضامن في الإسلام

على الرغم من أن هُناك من يعتبر أنّ التضامن من أنواع الاشتراكية إلا أنّ التضامن يعدّ من المفاهيم الإسلامية المهمة، وتتعدد آيات القرآن والأحاديث النبوية التي تدعو للتضامن وتحث عليه، ومنها: قول الرسول ءصلى الله عليه وسلّمء مثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وغيرها من الأحاديث الدالة على هذا الخُلُق الإسلامي الحميد؛ فالتضامن والتعاون في الإسلام هو قيمة شاملة لكل الجوانب الحياتية، فهو يشمل الجانب الاجتماعي والروحي والمادي والسياسي.

كتب الله تعالى للمتضامنين أجراً عظيماً، وفي الوقت نفسه فإنّ الإسلام لم يمنع الإنسان من النظر في حاجاته المادية، ولم يصادم فطرة الإنسان، بل دعا إلى التوازن بين الحاجات المادية لنفسه وبين المطالب الروحية التي يدعوه إليها حسّه الإيماني.

أهميّة التضامن

إنّ أهميّة التّضامن تكمن في فوائده وآثاره الطّيبة على مستوى الفرد والمجتمع، ومن هذه الفوائد نذكر:

  • إنّ التّضامن هو قوّة للمجتمع؛ فالمجتمع الذي يكون أفراده متضامنين متكاتفين تراه مجتمعاً قويّاً متماسكاً، بينما ترى المجتمع الذي لا تكون فيه معاني التّضامن والتّكافل مجتمعاً هشّاً يسهل تفكيكه والسّيطرة عليه، وفي الحديث الشّريف إنّ يد الله مع الجماعة وهذا يعني أنّ القوّة تكون للمجتمع عندما يكون أفراده متضامنين متكاتفين؛ حيث يبارك الله تعالى هذا الاجتماع ويعطيه القوّة والهيبة.
  • إنّ التّضامن هو وسيلة لتحقيق غايات النّاس وأهدافهم؛ فالفرد لا يستطيع ومهما أوتي من قوّة أن يحقّق غاياته لوحده، ذلك بأنّ الحياة في كثيرٍ من الأحيان تتطلّب اجتماع النّاس مع بعضهم البعض بحيث يقدّم كلّ منهم جهده ومهارته ومعرفته في مجاله، فتكتمل أدوار النّاس لتحقيق الغايات والمآرب المختلفة.
  • إنّ التّضامن هو وسيلة لتفريج الكروب والهموم؛ فالنّاس يتعرّضون لكثيرٍ من الهموم والمشاكل في حياتهم، ويكون التّضامن فيما بينهم طريقةً لأن يشعر كلّ إنسان بأخيه الإنسان، فيطّلع على همومه ومشاكله ويعمل على حلّها، وفي الحديث الشّريف (مثل المؤمنين في تكافلهم وتعاضدهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى) .
  • إنّ التّضامن هو وسيلة لزيادة الإنتاج وتحقيق أرباح للمؤسّسات والشّركات؛ فالمؤسّسة أو الشّركة التي يكون عاملوها متضامنين متعاونين هي المؤسّسة القادرة على تحقيق معدّلات ربحيّة أكبر من الشّركات التي تفتقد إلى التّضامن بين أفرادها، إلى جانب قدرتها على زيادة إنتاجها بما يعود بالفائدة عليها.

وقد أدركت كثيرٌ من الدّول والحكومات أهميّة مفهوم التّضامن كقوّة للمجتمع، لذلك تأسّست عددٌ من التّكتلات التي حاولت تحقيق مفهوم التّضامن وإن ظلّ قاصرًا عن الوصول إلى حالة التّضامن المطلوبة مثل منظمة التّعاون الإسلامي التي تجمع الدّول الإسلاميّة، وكذلك مجلس التّعاون الخليجي الذي يجمع بين الدّول التي تقع على الخليج العربي.

مظاهر التضامن

  • تفاعل الأفراد مع الجماعات الضعيفة، والفقيرة، والمحتاجة، ومنهم ذوو الاحتياجات الخاصّة وضحايا العنف بأنواعه، وضحايا الحروب والكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والمجاعات، وغيرها الكثير.
  • التعرّف على طبيعة مشاكل الجماعات المستهدفة والإصغاء إليهم.
  • التعاطف مع الجماعات المستهدفة وتوفير مختلف مصادر العناية والاهتمام لهم.
  • التعرّف على تطلعات الجماعات المستهدفة ومساعدتهم في الوصول إليها وتحقيقها.
  • التعاون الكامل مع الجماعات المستهدفة ونصر قضاياهم ومساعدتهم في إيصالها إلى الرأي العام وأصحاب النفوذ والقرارات.
  • إبعاد الجماعات المستهدفة عن لعب دور الاتكال، ومساعدتهم في لعب دور فعّال والإمساك بزمام المبادرة من أجل حل مشاكلهم وقضاياهم المختلفة.

مؤسسات دولية تهتم بالتضامن

  • الصليب الأحمر: وهي مؤسسة تضامنيّة دولية أسسها هنري دونان سنة 1864م، وهدفها حماية ضحايا الحروب والكوارث الطبيعية وعلاجهم.
  • الهلال الأحمر: وهي مؤسسة تمثّل رمزاً للصليب الأحمر في البلدان الإسلامية، اعترف بها من طرف ندوة جنيف سنة 1949م.