الجمعة، 13 نوفمبر 2020

 

الجمال - تحليل نص 'عش للجمال' لإيليا أبي ماضي

 

عِش لِلجَمالِ تَراهُ العَينُ مُؤتَلَقــــــــاً في أَنجُمِ اللَيلِ أَو زَهرِ البَساتينِ
وَفي الرُبى نَصَبَت كَفُّ الأَصيلِ بِها سُرادِقاً مِن نُضارٍ لِلرَياحيــــــنِ
وَفي الجِبالِ إِذا طافَ المَساءُ بِهــــا وَلَفَّها بِسَرابيلِ الرَهابيــــــــــــنِ
وَفي السَواقي لَها كَالطِفلِ ثَرثَــــرَةٌ وَفي البُروقِ لَها ضِحكُ المَجانينِ
وَفي اِبتِساماتِ أَيّارٍ وَرَوعَتِهـــــــا إِن تَوَلّى فَفي أَجفانِ تِشريـــــــنِ
لا حينَ لِلحُسنِ لا حَدَّ يُقاسُ بِـــــــهِ وَإِنَّما نَحنُ أَهلُ الحَدِّ وَالحيـــــنِ
فَكَم تَماوَجَ في سِربالِ غانِيَــــــــــةٍ وَكَم تَأَلَّقَ في أَسمالِ مِسكيـــــنِ
وَكَم أَحَسَّ بِهِ أَعمى فَجُنَّ لَـــــــــــهُ وَحَولَهُ أَلفُ راءٍ غَيرِ مَفتــــونِ
عِش لِلجَمالِ تَراهُ هَهُنا وَهُنــــــــــا وَعِش لَهُ وَهوَ سِرٌّ جِدُّ مَكنـونِ
خَيرٌ وَأَفضَلُ مِمَّن لا حَنينَ لَهُــــــم إِلى الجَمالِ تَماثيلٌ مِنَ الطيـــنِ

إيليا أبي ماضي

ملاحظة النص

يتضمن عنوان النص دعوة إلى جعل ” الجمال ” سببا للعيش وغاية في الحياة ، وهي دعوة توحي بأن الجمال أسمى قيمة تحيط بالإنسان ، وأنه في الطبيعة أظهر وأوفى ، وأنه يتجاوز الظاهر والشكل، ويكمن في التناسق المثير بين العناصر والانسجام الرائع بين الأجزاء، والتناغم اللامحدود للأشكال والحركة والألوان والأصوات والإيحاأت الدالة المتصلة بأكناه الأشياء وحقائق الموجودات ، وما يثيره في النفس من إحساس عميق ومعاناة ممتعة صادقة. ولعل لوحة فان غوغ المصاحبة للنص بألوانها وأشكالها السديمية ودلالاتها على نقاء الطبيعة وجمالها، ومضمون البيتين الأول والتاسع ، يعكسان هذا المفهوم. والنص لإيليا أبي ماضي الشاعر المهجري الذي جمع بين أحلام الرومانسية ونزعاتها الإنسانية وروحانية الأدب الأمريكي في مسحة تفاؤلية تدعو الإنسان إلى الالتفات إلى كل جميل ونبيل والابتعاد عن كل قبيح وشرير.

فهم النص

يستهدف الشاعر في البيت الأول الإنسان بشكل عام ، ويدعوه إلى معانقة الجمال المبثوث حوله في كل مظاهر الطبيعة مركزا على ما تلتقطه العين من أجزاء لها سحر خاص ووقع كبير على نفسية المتأمل ( النجوم والأزهار).

يستمر سرد منابع الجمال في الطبيعة من مطلع القصيدة إلى البيت الخامس استمرارا قائما على تحريك الجماد وبث الحياة فيه، وإلباسه المشاعر الإنسانية المثالية والحالمة بلغة تصويرية شفافة، وهكذا ينصب كف الأصيل في الربى خيمة من ذهب كبيرة لأزهار الرياحين ، ويلف الليل الجبال فيكسوها لباسا أسود كمسوح الرهبان يزيدها جلالا وجمالا، بينما السواقي تثرثر كالأطفال ثرثرة جميلة وبريئة وعذبة، والبروق تضحك ضحكا عريضا مدويا خاما وغامضا وملفتا كضحك المجانين، وتبتسم الطبيعة ابتهاجا ومرحا أواخر الربيع ، وتخلد للسكون استغراقا في التأمل الحكيم والهدوء الساحر أوائل الخريف.

الإنسان في نظر الشاعر عاجز عن استقصاء الجمال المحيط بالإنسان في الطبيعة والحياة ، لأن هذا الجمال لا نهائي وغير محدود، بينما يقف إدراك الإنسان وإحساسه عند حدود معينة مهما كان أصيلا وعميقا ومرهفا، ناهيك عن كونه متفاوتا من إنسان لآخر ومتجاوزا وظائف الحواس البسيطة وعملياتها الإدراكية السطحية وأشكال الظواهر المرئية وخصائصها العرضية، فقد يلتمس في مظهر حسناء فاتنة كما يلتمس في أطمار معدمة بائسة، وقد يدركه الأعمى، ويفتتن به، ويغفله المبصرون السذج.

يجدد الشاعر دعوته في آخر قصيدته للإنسان إلى الذوبان في الجمال والتقاط أسراره بالنظر المتأمل والاستبصار العميق الذي يتغلغل إلى المكونات الموجودة في الطبيعة والحياة ، فيستكشف ينابيع الجمال فيها التي تحيل الكون والإنسان إلى وجودج جميل ينبض بالسعادة والخير والأمل والحلم، ويخلص الإنسان من ميوله المادية الصرفة (تماثيل من الطين) التي تكبله وتستعبده.

تحليل النص

المستوى الدلالي

صاغ الشاعر دعوته للإنسان إلى رحاب الجمال بلغة تصويرية موحية رصدت مظاهر الجمال وكشفت عن أسرارها العميقة عبر نفس حجاجي اضطلع فيه الأسلوب بوظيفتين إقناعية وإمتاعية.

يتمفصل النص إلى ثلاثة مفاصل دلالية كبرى نعنونها كالآتي:

  • دعوة الشاعر الإنسان إلى الاستمتاع بالجمال المحيط به من كل جهة
  • إقرار الشاعر بعجز الإنسان محدود القوة الإدراكية عن الإحاطة بأسرار الجمال غير المحدود.
  • دعوة الإنسان إلى التخلص من قيوده المادية وإدراكه السطحي لسبر أغوار الجمال السحيقة في الأشياء.

المستوى الدالي

وظف الشاعر معجما فنيا غنيا بعناصر الطبيعة وصفات الجمال المتصلة بها كشأن الرومانسيين في اعتبار الطبيعة خزانا لا حدود له لمعاني الجمال وأسراره ، ويمكن تمثيل العلاقة بين هذين المكونين في الجدول التالي:

عناصر الطبيعة صفات الجمال المتصلة بها
الأزهار – النجوم – السواقي – البروق – شمس الأصيل – الجبال – الربيع ( أيار) – الخريف ( تشرين ) … الجمال – الائتلاق – ثرثرة الأطفال – ضحك المجانين – لون الذهب المسبل على الرياحين – سواد الليل وجلاله ورهبته – شموخ الجبال – الابتسام – انسدال الأجفان…

يغلب على لغة النص الطابع التصويري الإيحائي، حيث تستعار فيها أفعال الإنسان وملامحه وتسند إلى مكونات الطبيعة، وتشحن فيها بعض الألفاظ بدلالات تتجاوز المحمول الدلالي البسيط ، ومن أمثلتها: نصبت كف الأصيل سرادقا من نضار للرياحين ـ لف المساء الجبال بسرابيل الرهابين ـ ابتسامات أيار ـ ضحك تشرين ـ تماثيل من الطين …

استعمل الشاعر أدلة حسية وأخرى عقلية ليبين للمتلقي مكامن الجمال في الطبيعة في معادلات منطقية صارمة ولمسات حجاجية معقولة ومقبولة، فمن الاستدلال بالمحسوس استعراضه مظاهر الجمال الملتقطة بالمدارك الحسية البسيطة مما يشترك في التسليم به كل الناس، ومن الاستدلال بالمعقول تقريره أن أسرار الجمال خفية وغير محدودة تتطلب عمليات إدراكية معقدة يتفاوت الناس في إجرائها، وتستدعي تجاوز الوظائف البسيطة للحواس إلى الاستغراق في التأمل ، واستنفار الخاصية الإحساسية المرهفة والميزة الانفعالية المتدفقة والموهبة الذوقية الخلاقة التي تكفل الوصول إلى بعض من أسرار الجمال اللانهائية.

الأسلوب اللغوي

تكررت في القصيدة ألفاظ وعبارات بعينها مثل: ” عش للجمال” ، وحرف الجر ” في ” ، و”كم الخبرية” ، ولهذا التكرار وظيفة جمالية تنسجم مع مقصدية النص المتجلية في إبراز التدفق الهائل للجمال في محيط الإنسان تدفقا من شأنه أن يهبه الحياة الجميلة المفعمة بالحق والخير والنور والأمل والقدرة على الإبداع والتماهي في الجمال ، ووظيفة جمالية أخرى مؤثرة بما وفره من انسجام تركيبي ودلالي وكثافة إيقاعية.

تركيب وتقويم

النص نداء جميل موجه إلى الإنسان كي يسبح بكل حواسه الظاهرة والباطنة في مظاهر الجمال التي تكتنف الوجود وتصنع أجزاءه، متجردا من قيود المادة التي تعيق قدراته الإدراكية عن التوغل في عوالم الجمال الدفينة وأسراره المجهولة، وهو نداء يتوسل بلغة بسيطة ومناسبة يخلق فيها التكرار وكتل الصوت اللينة ومعجم الطبيعة والوجدان وتناغم المقاطع النغمية القصيرة والمتوسطة لبحر الخفيف عالما رومانسيا حالما ولحنا أثيريا متدفقا يشعان جمالا وإيحاء.

 

 

الجمال - مدخل مفاهيمي

 

مفهوم الجمال

 الجمال هو قيمة مرتبطة بالغريزة والعاطفة والشعور الإيجابي نحو الأشياء، فهو الحسن والنضرة والكمال، بما يتناسب فعلياً مع قيمة الشيء وحسنه، ومن الأحاديث عن الرسول ءصلى الله عليه وسلمء: "إن الله جميلٌ يحبّ الجمال"، والجمال في الغالب الأعم ليس له مقياسٌ واضح، أو ميزانٌ دقيق، فهو مسألةٌ نسبية، يختلف في تقديره والحكم عليها البشر، فعلى سبيل المثال: من يرى أن المرأة السمراء أجمل نساء الأرض، على عكس البقية التي ترى أن المرأة البيضاء هي المرأة الأجمل.

أهمية الجمال

الجمال ميزة ربانية، وضعها في خلقه، وميز كل فرد بميزة جمالية خاصة، إما ظاهرة أو باطنة، فمنهم ما هو جميل الخِلقة حسن المظهر، لطيف الملامح، ومنهم من هو صاحب الروح المرحة، والقلوب الطيبة الجميلة، ولم يخلق الله الجمال عبثاً إن كان في البشر أو في الطبيعة، وإنما هدف إلى لفت انتباه الناس إلى عجيب صنعه، وإبداع خلقه، والتأمل في إعجاز هذا الجمال للوصول إلى الإيمان بالله واليقين بوجوده، والتسليم لعظيم إبداعه.

مقومات الجمال

هنالك شروط متضمنة في الشيء حتى نصل إلى إطلاق لفظة الجمال عليه، ومن هذه المقومات:

  • السلامة من العيوب: فمن الجمال أن يكون الشيء مكتملاً لا عيب ولا انتقاص فيه، ولا خلل، فعلى سبيل المثال السماء فوقنا جميلة سليمة من العيوب التي قد تكون في انشقاقها، أو وجود ثغرات فيها.
  • التنظيم والتناسب والتناسق: فمن عظيم خلق الله وإبداعه أن خلق كلّ شيءٍ بقدر، فكل مخلوق في هذا الكون جعل الله فيه التناسب في الشكل واللون والطول والعرض، والحركة والصوت، وقد نلحظ أي تغييرٍ قد يتغير على الخلقة الأصلية، فترفضه العين، وتشمئز منه النفس، وأبسط مثالٍ على ذلك الإنسان الذي هو قطعة متناسقة متناسبة في الخلق، فشكله متناسب مع روحه، متناسق مع أعضائه.

أنواع الجمال

خلق الجمال مختلفاً يحمل أنواعاً عديدة، ليجعل الإنسان دائماً يتفكر، ويتقرب إلى الله تعالى، فجعل الجمال في هيئات مختلفة، ومن هذه الأنواع:

  • الجمال الحسي: وهو الجمال الذي ندركه بالعقل والقلب مع القدرة على لمسه، فهو متأصلٌ في أشكال الأشخاص، ومتواجدٌ في تعاقب الليل والنهار وما فيهما من شمس وقمر ونجوم، ومتضمنٌ في الطبيعة وما فيها من زروع وأشجار وورود.
  • الجمال المعنوي: وهو الجمال الذي لا يدرك إلا بالعقل والفكر والبصيرة المتفتحة، وهو يتمثل في الأقوال والأفعال، فجمال الكلام يكمن في القول الحسن، والكلمة الطيبة، وما تحمله الألفاظ من معاني ودلالات جميلة ومحببة إلى القلوب والعقول، أما جمال الأفعال فهو قرين الأقوال، فلا يثبت القول إلا بالفعل الطيب الراقي، وأجمل الكلام النطق بالشهادتين، وخير الأفعال العمل الصالح.

مجالات وميادين الجمال

الجمال لا يقتصر على الإنسان وحده، وإنما جاء في كثير من الصور الكونية منه:

  • الطبيعة: فكل ما في الطبيعة مثالٌ كاملٌ للحديث عن الجمال وتكوينه وكماله.
  • الإنسان: الإنسان بجميع تكوينه ميدانٌ كامل للجمال، فمراحل تطور الإنسان، أو صفاته الخلقية والخلقية، أهم النقاط التي تشرح ماهية الجمال.
  • الفن: فالفن هو الجمال الصناعي الذي سخره الله لعباده، لكي يبدع فيه ويسقط كل ما في نفسه من جمال عليه، مثل الرسم، وفن الخطوط، والعمارة والبناء.

أجمل ما قيل عن الجمال

  • جمعت الطبيعة عبقريتها فكونت الجمال (نزار قباني).
  • جمال بلا فضيلة، زهرة بلا عبير (سقراط).
  • قد يملك الحسناء رجل واحد، ولكنها تملك قلوب كثيرين. (مثل برازيلي).
  • ليس الجمال غالياً، الغالي هو الجميل (مثل ألماني).
  • الجمال بسمة الله والموسيقى صوته (جونسون).
  • من النادر أن يلتقي في المرأة فضيلة وجمال (آنون).
  • الجمال قوة، والابتسامة سيفها (تشارلز ريد).
  • أفضل قسمات الجمال قسمة تعجز الصورة عن التعبير عنها (فرنسيس بيكون).
  • الجمال العظيم يأسرني، ولكن الجمال الأعظم يحررني من أسر ذاته (جبران خليل جبران).
  • الجمال الطبيعي أنعكاس للروح، ولا يكون الشيء جميلاً إلّا بقدر ما يصدر عن الروح (هيغل).
  • الحقيقة غذاء العقل، والجمال غذاء القلب (شيلر).
  • كلما شاهد الإنسان جمالاً أرضياً تذكر جمال الله (أفلاطون).
  • أيها الجمال اكتشف نفسك في الحب، لا في تملق المرأة (طاغور).
  • كل شيء جميل لا يموت، بل ينتقل جماله إلى شيء آخر (توماس بيلي).
  • ما كان جميلاً فهو خير، وما كان خيراً فسرعان ما يصبح جميلاً (سافو).
  • من يتزوج امرأة جميلة يحتاج إلى أكثر من عينين (بوب).
  • الجمال سلام المرأة الوحيد الذي جعل الرجل يحتمل شعور الذل (باسكال).

 

 

 

 

 

التضامن - تحليل نص 'حبل الاجتماع' لمعروف الرصافي 

 

 

يعيش الناس في حال اجتماع فتحدُث بينهم طرق انتفــــاع
وتكثُر للتعاوُن والتفــــــــادي على الأيام بينهم الدواعــــــي
ولو ساروا على طرق انفراد لما كانوا سوى هَمَجَ رعـاع
رأيت الناس كالبنيان يسمــــو بأحجار تُسَيَّع بالسِيــــــــــاع
فيُمسك بعضه بعضاً فيَقْـــوى ويمنع جانبَيه من التداعــــــي
كذاك الناس من عجم وعُرْب جميعاً بين مَرعِـــــيّ وراع
قد اشتبكت مصالحهم فكــــلٌ لكلٍ في مجال العيش ســـاع
ولولا سعيُ بعضهم لبعـــــض لعاشوا عيش عادية السبـــاع
بذاك قضى اجتماع الناس لمّا أن اعتصموا بحبل الاجتماع
يساند بعضهم في العيش بعضاً مساندة ارتفاق وانتفــــــــاع
فتعلو في ديارهم المبانــــــي وتُخصِب في بلادهم المراعي
وتستعلي الحياة بهم فتُمســـي من العيش الرغيد على يَفاع

معروف الرصافي

ملاحظة النص

يوحي عنوان النص بخاصية من خصائص الإنسان، وهي انخراطه في حياة جماعية تشكل قوام و جوده ودعائم مدنيته، فالإنسان مجبول على هذا الطبع، مضطر إليه للحفاظ على بقائه وتوفير متطلباته، والعنوان '' حبل الاجتماع '' مستمد من مقدمة ابن خلدون حيث يرى أن الإنسان مدعو إلى الاجتماع لتوفير الغداء و مواجهة الأخطار، و هو ما يؤكده البيتين الأول و الأخير من النص الذين يشيان باجتماع عريض يتحقق فيه مفهوم التضامن على نطاق عالمي بما يحقق للإنسان حياة من السلام والازدهار.

فهم النص

يتحدت الشاعر في البيت الأول عن حياة الإنسان الاجتماعية حيث كل فرد في جماعة يقوم بعمل أو حرفة أو دور ما، ويتشكل من مجموع ذلك المنافع التي يتبادلها الناس، والتي تقوم عليها حياتهم، فالبناء والمهندس والطبيب والفلاح والعامل في المصنع والتاجر والسائق والمعلم والجندي كلهم يحتاج الواحد منهم إلى الآخر كي تستمر الحياة، و إلا كان الفناء.
أسباب كون الناس يتعاون بعضهم مع بعض ويفدي بعضهم بعضا كثيرة أهمها غريزة البقاء وطبيعة التحدي والرغبة في التفوق ونشدان الارتقاء وحب الحق والخير والطموح إلى الأفضل.
انتفاء صفة الاجتماع والتضامن بين الناس يعني انتفاء الحضارة وسيادة الهمجية وقانون الغاب والبدائية بكل أشكالها، و هو ما لا يمكن أن يحصل، لأن الإنسان، حسب رأي ابن خلدون و غيره، أضعف المخلوقات على الإطلاق في مواجهة الأخطار وتأمين الغداء مفردا.
شبه الشاعر الناس في البيت الرابع بالبنيان يشد بعضه بعضا، و يزيد السياع قوة و متانة.
ما يجمع بين الناس عربهم و عجمهم خضوعهم لنفس الناموس الذي تخضع له كل التجماعات البشرية، وهو تبادل المسؤوليات التي تحفظ كيان التجمع من التصدع أو التلاشي، واشتباك المصالح بما يضمن قيام الحياة بشكل طبيعي، فكل واحد ملزم بأداء دوره في المجتمع، مضطر إلى ذلك اضطراره إلى الماء والطعام، مقدم لغيره خدمة، مستفيد مقابلها منفعة، وهكذا.
قضى اجتماع الناس أن تتظافر الجهود لصناعة المدنية والتطور الحاصل على كل المستويات والأصعدة بما يوفر للناس الراحة والرفاهية والأمن بمفهومه الواسع، وكل ذلك بما يحققه التضامن والتعاون من تقدم علمي وصناعي واقتصادي وثقافي وفني ….

تحليل النص

يؤكد الشاعر في قصيدته على أهمية التضامن والتعاون في تحقيق الحياة الكريمة، وقد توسل في ذلك بلغة جمعت بين الترادف والاقتباس وتكرار الألفاظ والعبارات لبلوغ المقاصد الفنية والجمالية، ويمكن التمثيل لذلك ب:

  • استثمار الشاعر صورتين متناقضتين لما يمكن أن تكون عليه الحياة: الصورة الأولى: اجتماع الناس وتضامنهم، وينشأ عنها انتفاع بعضهم من بعض، وقيام حياة إنسانية كريمة. والصورة الثانية: انفراد الإنسان عن الإنسان وما يترتب عنه من حياة الهمج والبدائية والتخلف، بل والتصدع والتلاشي.
  • تكرار الألفاظ والعبارات الدالة على التضامن في القصيدة، ومنها: الاجتماع ـ التعاون ـ التفادي ـ يمسك بعضه بعضا ـ يقوي ـ جميعا ـ اشتبكت مصالحهم ـ كل في مجال العيش ساع ـ اعتصموا بحبل الاجتماع ـ يساند بعضهم بعضا …
  • حدد الشاعر سبل تعزيز التضامن بين الناس في تداخل مسؤولياتهم وتشابك مصالحهم، وحاجة بعضهم إلى بعض لبناء حضارة الإنسان وتأمين وجوده واستمراره.
  • يكثر الشاعر من الاقتباس من القرآن والحديث، ومن ذلك قوله: أن اعتصموا بحبل الاجتماع، حيث اقتبس كلمتين من سورة آل عمران : “واعتصموا بحبل الله جميعا…”، كما اقتبس من الحديث الشريف: ” المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا…” معنى البيتين الرابع والخامس.
  • وظف الشاعر التشبيه في النص ليخلق عالما من الصور أكثر تأثيرا في المتلقي، وأقدر على تفجير كمّ وافر من الدلالات، من ذلك قوله: رأيت الناس كالبنيان، لعاشوا عيش عادية السباع، كما استخدم الاستعارة لنفس الغرض: اعتصموا بحبل الاجتماع.
  • استثمر الشاعر التكرار بأشكاله المتعددة الصوتية والدلالية ليوفر للنص إيقاعا ينسجم مع الدلالة في تحقيق الوظيفة الإقناعية والإمتاعية من خلال الطابع التأكيدي والإلحاحي للكتلتين الصوتية والدلالية. ومن أمثلة ذلك : طرق ـ تسيع بالسياع ـ بعضه بعضا ـ مرعي وراع ـ العيش، يعيش، لعاشوا عيش ـ اجتماع، الاجتماع ـ يساند، مساندة ـ انتفاع…
  • يغلب على النص الطابع التقريري باستثناء ثلاث صور منها تشبيهان واستعارة، والغالب على وظيفتها البيان والتوضيح، ولعل الشاعر منشغل في مناقشة تصوره في موضوع طالما عالجه علماء الاجتماع، غير أن هذه التقريرية سكبت في قوالب تركيبية ودلالية شديدة الإيجاز، مشحونة بإيقاع صارخ، مما يجعل أدوات التأثير الجمالية لا تقل حضورا عن محمولات الدلالة المباشرة.

تركيب وتقويم

يحاول النص ترسيخ قيمة هي في الأصل خاصية إنسانية بنفس فني، لكنها تتعرض للكثير من الانحراف الذي يطال جوهرها فتتحول من قيمة إنسانية نبيلة إلى آلية انتفاعية بمسحة مادية حيوانية تزرع تحالفات الشر والاستغلال والقتل والسيطرة، غير أنه أكثر من تقرير الطبيعة الضرورية الميكانيكية للتضامن التي ينجم عنها ما ينجم من عمران وتقدم مهملا الطبيعة الاكتسابية التي تتطلب الوعي الناضج والتضحية والإيثار والتواضع ونشدان الأمن والسلم والتعاون في بيئات التواجد المشترك الطبيعية والثقافية والحضارية. وقد سعى النص بأدواته التعبيرية المبينية على الإيجاز والاستثمار البسيط للصورة البيانية وتكثيف الإيقاع إلى التأثير جماليا في المتلقي، رغم رتابة الجمل الإخبارية التقريرية التي يحد من رتابتها الانتقال من الفعل الماضي إلى المضارع، ومن المفرد إلى الجمع، ومن الشرط إلى التحقيق، إلى التخصيص، ومن المفعول به إلى المفعول المطلق، ومن الترادف إلى التكرارلفظا أو اشتقاقا.

 

 

 

 

 

 

التسامح - تحليل نص 'دعوة إلى التسامح' لمحمد الحلوي 

 

 

يَا أَخِي نَحْنُ فِي الحَيَاةِ على رَغْـــ مِ هَوَانَا وَأنْفِنَا أَخَــــــــــــــــــــــــــــــــــــوَانِ
نَحْنُ فِي زَوْرَقٍ تَقَادَفَهُ المَـــــــــــــــــوْ جُ عَدِيمِ الشِّرَاعِ وَالرُّبَّـــــــــــــــــــــــــــانِ
فَتَعَاَوَنْ مَعِي لِنُجَدِّفَ بِالأَيْـــــــــــــــــــ ـدِي فَنُرْسِي عَلَى جَنَاحِ الأَمَــــــــانِ
لاَ تَكِلْنِي وَنَحْنُ فِي عَالَمِ الأَهْــــــــــ ـوَالِ غَرْقَى نَخُوضُ فِي أَشْجَــــــانِ
لِمَ نَحْيَا عَلَى اخْتِلاَفٍ وَنَسْعَـــــــــى فِي افْتِرَاقِ كَأَنَّنَا ضِــــــــــــــــــــــــدَّانِ؟
لِمَ نَبْنِي وَنَحْنُ نَهْدِمُ جَنــــــــــــــــــــــــّا تٍ مِنَ الفَنِّ رَائِعَاتِ البَيَـــــــــــــــــانِ؟
لِمَ نَبْكِي وَفِي الطَّبِيعَةِ سِحْـــــــــــــــرٌ وَجَمالٌ وَصَبْوَةٌ وَأَغَانِــــــــــــــــــــــــــي؟
فِي السَّمَاءِ الزَّرْقَاءِ سَلْوَى وَفِــــي الرَّ وْضِ أَنِيسٌ وَفِي فُتُونِ الغَوَانِي
كُلُّ مَا فِي الْحَيَاةِ حُلْوٌ جَمِيــــــــــــلٌ يَتَغَنَّى بِأَطْيَبِ الأَلْحَــــــــــــــــــــــــــــــــانِ
فَارْفَعِ النَّايَ يَا أَخِي واشْدُ لَحْنــــاً عَبْقَرِيّاً يَهُزُّ مِنْ أَرْكَانِـــــــــــــــــــــــــــــــي
عَنْ لَحْنِ الصَّفَاء وَالسِّلْمِ وَالـحُـــــ ـبِّ وَزُفَّ البُشْرَى بِكُلِ مَكَـــــــــــــــــانِ
ثُمَّ ضَعْ فِي يَدِي يَدَيْكَ فَإِنَّــــــــــــــــا هَاهُنَا رَغْمَ أَنْفِنَا أَخَـــــــــــــــــــــــــــــــوَانِ
فَعَلَى مَا نَعِيشُ فِي هَذِهِ الدّنْــــــــــ ـيَا ذِئَاباً فِي صُورَةِ إنْسَــــــــــــــــــانِ!
ولِمَاذَا نَهِيجُ شَوْقاً إِلَى الحَــــــــــــرْ بِ نُعَانِي مِنْ نَارِهَا مَا نُعَانِــــــــــــي!
نَتَسَاقَى كَأْسَ الصّدَاقَةِ والْحُـــــــــ ـبِّ بِأيْدِي مُضَرّجَاتِ الْبَنَـــــــــــــــــانِ
أَكَذَا اخْتَارَ أنْ يَعِيشَ َبنُو الدُّنْــــــ يَا وَقُوداً يُضِئُ رَكْبَ الزّمَـــــــــــــــانِ!
يَتَفَانَوْنَ كَيْ يَعِيشُوا فَيِفْنَـــــــــــــــــوْ نَ ضَحَايَا مَطَامِعَ وَأَمَانِــــــــــــــي
أَيْنَ صَوْتُ الضّمِيرِ! وَلّى وَأَيْنَ الدِّ ينُ أَوْدَى يَا ضَيعَةَ الأَدْيَـــــــــــانِ
يَا أَخِي نَحْنُ فِي الحَيَاةِ رَغْـــــــــــ م هَوَانَا وَأنْفِنَا أَخَــــــــــــــــــــــــــــــــوَانِ
لِمَ نَحْيَا عَلَى اخْتِلاَفٍ وَنَسْعَـــــــــى فِي افْتِرَاقِ كَأَنَّنَا ضِــــــــــــــــــــدَّانِ!

محمد الحلوي

ملاحظة النص

عنوان النص خبر ومتعلقان به لمبتدأ محذوف لكونه معلوما يعمل النص على تجليته وتفصيل أبعاده، خاصة في البيت الأول والأخير والبيت الحادي عشر. ويتعلق الأمر بدعوة إلى التسامح والتحابّ والتآخي والتعاون على قيادة سفينة الحياة في بحر متقلقل، والتشارك في الاستمتاع بالصفاء والجمال والسلم والمحبة، ونبذ الأطماع والحروب وكل ألوان الصراع والمكر والوقيعة والجراح والآلام. دعوة أطلقها الشاعر المغربي الحديث محمد الحلوي متأثرا بالثقافة الإصلاحية، والنزعة الإنسانية الرومانسية، وواقع الاستعمار والحروب والتكالب على مناطق النفوذ والثروة.

فهم النص

وجه الشاعر نداءه في البيت الأول إلى الإنسان مطلقا مذكرا إياه بوشائج القرابة الطبيعية الجوهرية التي تربطه بغيره من بني جنسه، مستخدما لفظة ” أخي ” بصيغة الإفراد والتثنية، وضمير الجمع المتكلم، والجملة الإسمية الخبرية البسيطة للتأشير على أن مضمون النداء العاري من أدوات التوكيد يندرج ضمن المتيقن البسيط والمعقول المسلم به والبديهي الذي لا يحتاج إلى إثبات لاستبعاد كل أشكال المسافة المصطنعة التي قد تجعل منهما خصمين. مقرا في الوقت ذاته بوجود تلك المسافة المرتبطة بإرادات عرضية غير حرة تولدها نزعات شريرة، وميول أنانية، ويجسدها واقع ملموس، وتتمثل تركيبيا في أداة نداء البعيد ومعجميا في مادة دالة على الاختلاف.

يرى الشاعر أن دواعي التشارك والتماسك بين الناس أعظم من مبررات التفرق والاختلاف، فهم ينتمون إلى عالم شديد الاضطراب، تندر فيه مساعي التوافق والتفاهم، وتتضارب المصالح وتتفاقم الصراعات والمآسي، مما يحتم على الجميع التعاون لقيادة العالم إلى السلم وإرسائه على بر الأمان.

أطلق الشاعر في الأبيات 5 و6 و7 ثلاثة استفهامات أنكر فيها على الإنسان حبه للتصادم والصراع والمواجهة مع أخيه الإنسان، مع أن طبيعتهما الواحدة ومجالاتهما المشتركة تدفع إلى الانسجام والتكامل، وتدعو إلى الاستفادة من غنى الحضارة والفكر والفن والإبداع والاستمتاع بسحر الطبيعة وجمال الكون، بدل التدمير والتدمير المضاد، وزرع المآسي والأحزان، وهي أسئلة تراهن على قدرة الإنسان على كسب رهانات الحقيقة والخير والجمال التي تشكل السمات الجوهرية لماهيته وكنهه.

للشاعر نظرة خاصة إلى الحياة، وهي نظرة رومانسية حالمة، فيها غير قليل من الطوباوية التي تبحث عن عالم بديل للعالم الواقعي المبتذل وقيمه الرديئة، عالم ملؤه الصفاء والنقاء والمرح والأنس والجمال والإبداع والسلم والحب والأمل، وتمثل الطبيعة الجميلة بكل مكوناتها الصامتة والناطقة وأشكالها المتباينة رموزا لهذا العالم المثالي الذي يستمد مشروعيته كرؤية معقولة وطرح مطلوب من كون الإنسان أخ الإنسان، ولا يكون الأخوان إلا منسجمين، بينما تمثل الطبيعة المتوحشة ” الذئب ” رمزا لإنسان فقد روح الإنسان.

يرفض الشاعر قيم العالم الهمجي المتوحش القائم على تقمص أدوار الحيوانات المفترسة القائمة على العراك وإرضاء غريزة الطمع والسيطرة، والبحث عن السلم والحب والصداقة في مستنقع الدماء والعنف والكراهية والتربص.

يختم الشاعر قصيدته في الأبيات الثلاثة الأخيرة بدعوة صريحة مررها في جملتين استفهاميتين، بينهما نداء كرره في ثلاثة مواقع من النص منها مطلع القصيدة، إلى إعادة بعث الأدوار العظيمة للنخب المثقفة والمتدينة أصحاب الضمائر الحية في إرساء التقارب والتسامح والتعايش والسلم والمحبة.

تحليل النص

المستوى الدلالي

القصيدة صرخة قوية ضد القيم الرديئة التي توشك أن تحول الإنسان إلى وحش ضار يتخلى عن إنسانيته وما فيها من نبل وسمو وطهر وجمال وإبداع، ويمكن مفصلتها إلى أربع مفاصل دلالية نعنونها كالآتي:

  • الأبيات الأربعة الأولى: إطلاق الشاعر نداء الأخوة والتعاون في عالم مضطرب مخيف.
  • الأبيات من 5 إلى 12: استنكار الشاعر أشكال العنف والإقصاء والتمييز في عالم مفعم بالجمال والعذوبة محتاج إلى الصفاء والسلم والمحبة.
  • الأبيات من 13 إلى 17: دعوة الشاعر إلى نبذ الحروب والصراعات والمطامع.
  • الأبيات من 18 إلى آخر النص: حث الشاعر أصحاب الضمائر والمبادئ على إعادة الاعتبار لثقافة الحب والتسامح والتعايش.

وصف الشاعر الإنسان في ثنايا القصيدة بمجموعة من الأوصاف استقاها من واقعين: واقع كائن، وواقع مفترض، الكائن مرتبط بقيم سلبية ينكرها الشاعر مثل: (ذئابا – وقودا – غرقى نخوض في أشجان – مشتاق إلى الحرب – مضرج البنان بالدماء – ضحايا – ضدان…)، والمفترض متصل بقيم إيجابية يزكيها مثل: (أخوان – …)

يدعو الشاعر الإنسانية في القصيدة إلى التسامح والتعاون ممررا دعوته في نوعين من التركيب : مباشر قائم على خبر وإنشاء لا يتجاوزان ما يقتضيه الظاهر ولا تحتمل داخلهما المواد المعجمية أكثر من محمولاتها الدلالية الصريحة ، وغير مباشر متكئ على معان مستلزمة ودلالات سياقية وأدوار تركيبية وإيقاعية تتجاوز الإشارات الحرفية للكتل الصوتية واللفظية والعلاقات التركيبة، مما يؤشر على أن طبيعة النص الشكلية والمضمونية المنصهرة داخل رؤية جمالية رومانسية تتضافر بكل مكوناتها لدعوة الإنسانية إلى معانقة التسامح والجمال والنقاء.

المستوى الدالي

وظف الشاعر معجما مشبعا بألفاظ وعبارات دالة على الدعوة إلى التسامح، وهو معجم تشَكّل من ثنائية ضدية من القيم مرغوب فيها ومستنكرة، تنتشر على جسد النص بشكل متواز لتصنع مضمون نداء الشاعر إلى التسامح، ويمكن تمثيلها في الجدول الآتي:

القيم المستنكرة القيم المرغوبة
ضدان – الاختلاف – غرقى – نهدم – حرب – ضحايا – وقود – مطامع – يفنون – الافتراق – ذئابا أخوان – تعاون معي – لا تكلني – نبني – سحر الطبيعة – جمال – أغاني – لحن الصفاء والسلم والحب والبشرى – إنسان

النص قصيدة شعرية تختزن بعدا تصويريا كثيفا لا يخلو من تجديد في بعض ملامحه، رغم الطابع التقليدي العام لبناء الصورة، حيث تتوسل بالآليات البيانية من تشبيه واستعارة ومجاز، وتمتاح من الطبيعة والوجدان معظم أجزاء الصورة، فيمزج بينها على غرار التيار الرومانسي في الشعر، وهكذا يصبح العالم المضطرب زورقا فقد شراعه وربانه في بحر متلاطم الأمواج، ويصبح التسامح والتعايش تجديفا وإرساء على بر الأمان، والبغض والتصادم غرقا في الأشجان، ومكونات الطبيعة الساحرة رموزا للصفاء والعذوبة والجمال، والصفاء والسلم والحب ألحانا، والناي دعوة ، وبالمقابل فالإنسان ذئب ووقود، والدين ضائع ، وللضمير صوت، وغيرها من الصور الموحية.

الأسلوب اللغوي

للتكرار في النص بلاغة خاصة، سيما وأنه يتخذ أشكالا متعددة: صوتية ومعجمية وأسلوبية، ويعلن عن وظائف وأدوار دلالية وجمالية مؤثرة، منها التوكيد والإلحاح لتثبيت دلالة معينة في ذهن المتلقي، ومنها تكثيف القيم الموسيقية المكررة وتضخيمها لدعم تسلل الوحدات المعنوية المؤكدة إلى داخل المتلقي ومحاصرة حواسه، ومنها تأمين الكمّ الانفعالي المصاحب للمعنى عبر تكرار حزمة من الأساليب المتناغمة المدعومة بمواد معجمية وتركيبية متماثلة، ومنها ضمان متعة التلقي بتوزيع التكرار على مساحات تداولية متباينة ومنسجمة…

أكثر الشاعر من الأساليب الإنشائية، خاصة الاستفهام والأمر والنداء والنهي، وهي صيغ تتلاءم ومقصدية النص ورسائله الموجهة إلى الإنسان الداعية إلى التسامح ومعانقة الجمال، والرافضة للحروب والشنآن.

تركيب وتقويم

النص رسالة شعرية ذات بعد إنساني عام، تدعو الإنسان إلى التسامح والتعايش في عالم يتسع للجميع، ويوفر الكثير من إمكانيات تحقيق الرفاهية والسلم والمحبة والإبداع والاستمتاع بالجمال والصفاء والطهر، بعيدا عن ظلمات العنف والإقصاء والعدوان، وهي دعوة شكلت هاجس العقلاء وأصحاب الضمائر الحية، لكنها تصطدم بالوجه الآخر الكالح للإنسان، والذي لم يفتأ يستشري ويتعاظم داخل كيانات ولوبيات وقوى عظمى تتنكر لحقوق الإنسان رغم احتضانها لمؤسساتها، وتكيل بمكيالين وتفتح أبواب التأويل وتتذرع بالأعذار الواهية.

 

 

التسامح - مدخل مفاهيمي 

 

 

تعريف التسامح

التّسامح مفهوم يعني العفو عند المقدرة، وعدم ردّ الإساءة بالإساءة، والترفّع عن الصّغائر، والسُّموّ بالنّفس البشريّة إلى مرتبة أخلاقيّة عالية، والتّسامح كمفهوم أخلاقيّ اجتماعيّ دعا إليه كافّة الرّسل والأنبياء والمصلحين؛ لما له من دور وأهميّة كبرى في تحقيق وحدة، وتضامن، وتماسك المجتمعات، والقضاء على الخلافات والصّراعات بين الأفراد والجماعات، والتّسامح يعني احترام ثقافة وعقيدة وقيم الآخرين، وهو ركيزة أساسيّة لحقوق الإنسان، والديمقراطية والعدل، والحريات الإنسانيّة العامّة.

مبادىء اليونسكو حول التسامح

مفهوم التَّسامح من أكثر المفاهيم التي طُرحت بقوةٍ في نهاية القرن الماضي؛ كنتيجةٍ طبيعيّةٍ لانفتاح العالم على بعضه البعض، واختلاط الأجناس والأديان والأعراق بعضها ببعضٍ ممّا يتطلب وجود التَّسامح فيما بينهم لضمان التَّعايش؛ فعقدت العديد من اللقاأت والمؤتمرات، ونتج عنها إعلان سنة 1995م سنةً دوليّةً من أجل التَّسامح، وعلى أثرها طُلب من منظمة اليونسكو التَّحضير لوثيقةٍ تتضمّن مبادئ حول التَّسامح والذي اعتُمِد في صياغته على مبادئ حقوق الإنسان، وهي:

  • معنى التَّسامح هو الاحترام وقبول الآخر بكلِّ ما يرتبط به من ثقافةٍ وحضارةٍ وسُلوكٍ ودِينٍ وعِرق وغيرها من الاختلافات بين النَّاس في عالمنا، واعتبار التَّسامح ضرورةً مهمّةً في الحياة سياسيًّا وقانونيًّا وليس مجرّد فِعلٍ أخلاقيٍّ حميدٍ، وصفةٍ فُضلى تنشر السَّلام في العالم، وتساعد على إحلال ثقافة السَّلام والتَّعايش محلّ ثقافة الحرب ورفض الآخر.
  • التَّسامح لا يعني التَّنازل من طرفٍ لآخر، كما لا يعني المجاملة أو المحاباة بل هو موقفٌ يعتمد على الاعتراف الكامل والمُطلق بالحقّ الشَّخصيّ للإنسان والحريات الرئيسيّة للطَّرف الآخر.
  • التَّسامح هو الحلّ الأمثل والمفتاح السِّحريّ للوصول إلى مطالب رئيسيةٍ كحقوق الإنسان، والدِّيموقراطيّة، والتَّعدديّة، والتَّشاركيّة، وتقبل الآخر.
  • العمل على تطبيق مفهوم التَّسامح لا يكون بالأقوال بل بالاعتراف بحقّ كل إنسانٍ على وجه الأرض باختيار ما يُريد من حيث المعتقدات والمذهب والفِكر والنَّهج الذي يسير عليه، كذلك للطَّرف الآخر نفس الحقّ دون تفريقٍ أو تمييزٍ دون أنْ يكون لأحدٍ السُّلطة على فرض الرَّأي على الآخر.

أهمية التسامح

  • من يستطيع أن يكون متسامحاً فهو يُعتبر أقوى الأقوياء؛ لأن المسامحة والعفو لا يقدر عليها إلا من يشعر بالثقة بنفسه والقوة، كما أنَّ قبول الشخص الآخر على مساوئه يدل على قوة الشخص.
  • يكسب المتسامح الأجر والثواب من الله تعالى، كما أنّه يكسب محبة الناس وثقتهم به وحب مجالسته ومخالطته؛ فالشخص المنتقم يجعل من التعامل معه أمراً صعباً خوفاً من انتقامه أو إساءته.
  • تفريغ الطاقة السلبية ممّا يشحن الجسم بالطاقة الإيجابية؛ فالكره والحقد ورد الإساءة بالإساءة يولِّد في الجسم طاقةً سلبيةً مما يجعل الشخص غير قادرٍ على الإنتاج والتفكير والإبداع.
  • يزيد التسامح من ترابط أبناء المجتمع الواحد معاً، وينشر المحبة والألفة فيما بينهم، ممّا ينتج مجتمعاً قوياً ومتماسكاً من الصعب اختراقه والسيطرة عليه.

أقوال عن التسامح

  • التسامح يصبح جريمة عندما يطبق على الشر. توماس مان
  • أريد الرحيل لأرض جديدة، لأرض بعيدة.. لأرض وما أدركتها العيون ولا دنستها ذنوب البشر.. أريد التنقل بين الكواكب يوماً أسافر بين النجوم ويوماً أنام بحضن القمر.. وحيناً أغني كمثل الطيور وحيناً أظلل مثل الشجر.. أريد الرحيل لأرض المحبة، أرض التسامح، أرض السلام لكل البشر. عبد العزيز جويدة (شاعر مصري)
  • لا أحب كلمة التسامح ولكن لا أجد كلمة أفضل منها. المهاتما غاندي
  • التسامح هو الذي يعطي للصواب قوته وقدراته على الامتداد وتحقيق النصر. رجاء النقاش
  • من لا يستطيع التسامح يهدم الجسر الذي يجب أن يعبره هو نفسه. هربرت جورج ويلز
  • لا يوجد انتقام أكمل من التسامح. جوش بيلينجز
  • التسامح هو الشكل الاخير من أشكال الحب. رينولد نيبور
  • كن شديد التسامح مع من خالفك الرأي فإن لم يكن رأيه كل الصواب فلا تكن أنت كل الخطأ بتشبثك برأيك. فولتير
  • الرحمة أعمق من الحب وأصفى وأطهر، فيها الحب وفيها التضحية وفيها إنكار الذات وفيها التسامح وفيها العطف وفيها العفو وفيها الكرم، وكلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية وقليل منا هم القادرون على الرحمة. مصطفى محمود
  • من دون التسامح لن يكون هنالك مستقبل. ديزموند توتو
  • التسامح يعني أن تمنح لنفسك الفرصة لكي تبدأ بداية جديدة. ديزموند توتو
  • التسامح هو أن تمنح الكراهية بداخلك غرفة صغيرة جداً في قلبك. تشول سو
  • الأصل في التسامح أن تستطيع الحياة مع قوم تعرف يقيناً أنهم خاطئون. محمد كامل حسين
  • وإن الكره ليرتجف أمام الحبّ، وإن الحقد ليهتز أمام التسامح، وإن القسوة لترتعش أمام الرقة واللّين. ايمن العتوم
  • ‏لن تستطيع أن تعطي بدون الحب، ولن تستطيع أن تحب بدون التسامح. إبراهيم الفقي
  • مسؤولية التسامح تقع على من لديهم أفق أوسع. جورج اليوت
  • التسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل. نيلسون مانديلا
  • إذا سمعت كلمة تؤذيك فطأطىء لها حتى تتخطاك. عمر بن الخطاب
  • إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه، فالتمس له العذر جهدك، فان لم تجد له عذرا، فقل : لعل له عذر لا أعلمه. أبو قلابه الجرمي
  • من عاشر الناس بالمسامحه، زاد استمتاعه بهم. أبو حيان التوحيدي

 

 

 

 

 

مفهوم الحداثة - تحليل نص 'رأي في الحداثة' لمحمد عابد الجابري

 

سياق النص

النص محاولة من الدكتور محمد عابد الجابري للخوض في جدل عريض يدور في العالم العربي بشكل خاص حول مفهوم الحداثة وخلفياتها الفلسفية وتحققاتها الفعلية وعلاقتها بمنظومة القيم السياسية والاجتماعية والفنية وبماهية الإنسان في عالم رأسمالي يمجد الفرد ويقدسه، ولا يؤمن سوى بقدراته العقلية والمادية المتطورة باستمرار، إنه نوع من الإضافة التي يحاول الجابري ممارستها على مفهوم يبدو منفلتا من قبضة التحديد العلمي الصارم، ومرتبطا بقيود الواقع ورهانات المرحلة التاريخية وسيرورة المنجز الحضاري المتعدد والمختلف. ومن ثم فالنص مجرد رأي للباحث المغربي في الفلسفة والفكر والحضارة، ينبثق من قراءة لتحققات الحداثة في الأمم المتقدمة المشاركة في صناعة المشهد الحضاري العالمي الراهن سواء في أوربا أو أمريكا أو آسيا، وانعكاساتها على تداول الظاهرة وتنزيلها في واقع عربي تسوده أنظمة قروسطية.

ملاحظة النص

يطرح العنوان والملفوظ الأول والأخير في النص إشكال محاصرة مفهوم الحداثة معرفيا الذي يبدو أنه غير ممكن ، طالما أن بنية التصور المرتبط به نسبية ، وتثير الكثير من الجدل في علاقتها بالاختلاف الذي يسم الفكر والواقع لدى مهتمين متعددي المرجعيات والهويات والقناعات، والثابت الوحيد في الحداثات في نظر محمد عابد الجابري كما تحدده النظرة العمودية للنص هو انبناؤها على العقلانية والديموقراطية والحرية والحقوق، وما عدا ذلك فمجرد مواقف وممارسات لاعقلانية ولا علاقة لها بترقية الإنسان ماديا وفكريا واجتماعيا، وهو الهدف الرئيسي للحداثة. ذلك ما سنتحقق منه أثناء تحليلنا للنص.

فهم النص

يطرح النص حزمة من التصورات والقراأت المرتبطة بالحداثة تروم تصحيح بعض الأوهام والمغالطات التي رافقت هذا المفهوم في المتداول العربي فكريا وسياسيا واجتماعيا ، نجملها فيما يلي:

  • رفض الكاتب أن تكون الحداثة مفهوما مطلقا جاهزا ومغلقا، وربطه إياها بتحققاتها الواقعية وشروطها التاريخية التي أفرزت حداثات مختلفة في أوربا والصين واليابان والعالم العربي.
  • حصر الكاتب مفاصل الحداثة في العقلانية والديموقراطية المتجذرتين القادرتين على استئصال كل مظاهر الاستبداد، وتأصيل حداثة خاصة فاعلة في الحداثة العالمية لا منفعلة فحسب.
  • انتقاد الكاتب أصحاب الموقف الفردي الذين يتبنون الحداثة العالمية الجاهزة ، واعتباره طرحا انعزاليا جبريا وقسريا ومتجنيا على الغير رغم ما يوحي به من اشتعال الهدم وإعادة البناء داخل ثقافة ما ، وتأكيده على أن جوهر الحداثة، ليس التحديث من أجل التحديث، وإنما تحديث الذهنية والمعايير العقلية والوجدانية يتجاوز قيمة الفرد في ذاته ليطال الثقافة العامة.
  • رفض الكاتب دعوى من يرفعون شعار الحداثة لأجل الحرية الفردية فقط ، ويرفضون العقلانية لأجل القيود التي تفرضها على الحرية ، معتبرا دعواهم صدى لتيارات حداثية غربية معزولة، ومؤكدا على أن العقلانية في العلاقات والتصورات والسلوك في الحياة الفردية والجماعية هي سر التقدم الغربي.
  • اعتبار الكاتب أن الثورة التكنولوجية والمعلوماتية أخرجت العقلانية الغربية إلى لاعقلانية قوضت خصوصية الإنسان ككائن حر، أويسعى إلى استكمال وجوده الحر، ونقلت العلم والتكنولوجيا من خدمة الإنسان وحريته وحقوقه إلى إنتاج وسائل التدمير والتجسس والمحاصرة والتطويع، والرد الطبيعي سيمون بالتأكيد رفض هذه اللاعقلانية .
  • نسف الكاتب لموقف بعض أدعياء الحداثة العرب المتلبسين بالموقف العقلاني الغربي دون مرعاة اختلاف الواقع هنا وهناك، على اعتبار أن اللاعقلانية عند العرب مرتبطة بأشكال التخلف والاستبداد الي تقسم المجتمع إلى قطيع وراعي على شاكلة أنظمة القرون الوسطى ، ومن ثم فهذه اللاعقلانية المختلفة تاريخيا تحتاج أولا إلى العقلانية والديموقراطية التي بدأ بها الغرب الصناعي، بعبارة أخرى إلى نهضة وأنوار ومابعدهما.

تحليل النص

المستوى الدالي

يتوزع ألفاظ النص حقلان دلاليان رئيسيان هما: حقل الفكر والفلسفة، وحقل التاريخ والسياسة. ويمكن بيان كتلة انتشارهما في النص من خلال الجدول الآتي:

حقل التاريخ والسياسة حقل الفكر والفلسفة
ظاهرة تاريخية – شروط – ظروف – حدود زمنية – خط التطور – الصين – اليابان – أوربا – تجربة ياريخية – الوضعية الرهنة – الديموقراطية – الاستبداد – النظام – الغرب الصناعي – الاقتصاد – الإدارة – مؤسسات الدولة – الثورة التكنولوجية والمعلوماتية – القرون الوسطى – سلوك القطيع – عصا الراعي  … المعاصرة – العالمية – الحداثة المطلقة – النسبية – النهضة والأنوار – العقلانية – التراث – فاعلين – منفعلين – الأطروحة – المشكلة – التجربة – الفرد والغير – الجماعة – النقد – الإبداع – الثقافة – الذهنية – المعايير العقلية والوجدانية – العلم – التكنولوجيا – القيمة – الخصوصية – الكينونة – السلوك – اللاعقلانية – العلاقات – التصورات – الفكر – الحرية الفردية – الحقوق  …

وبتأملنا للمواد المعجمية المشكلة للحقلين بشكل متواز ومتساو تقريبا يتضح بجلاء أن الحداثة مفهوم وتجل، له خلفية فكرية وفلسفية تصنع أيقوناته التصورية التي تتكيف بشكل من الأشكال مع السياقات الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تشرط وجودها وتقولبها في قوالب تحافظ على المادة الخام للحداثة المرتبطة بتطوير حياة الإنسان تطويرا عقلانيا نفعيا يقود إلى الاكتمال والقوة والاكتفاء، وتحريرها من كل قيود الوصاية والكبت والانتهاك والتخلف، ولكن بمنطلقات ومسارات ونتائج مختلفة تبعا لطبيعة اللحظة التاريخية وذكاء الاستجابة ومرونتها وخاصية الإبداع والقدرة على التجاوز والتحدي لدى الجماعة والثقافة المعنية.

المستوى الدلالي

يرى الكاتب أن الحداثة من أجل الحداثة لا معنى لها، لأنها بذلك تتحول إلى مجرد شعار، أو قناع شكلى وإجراأت سطحية تزيينية لا عمق لها ولا جذور، وتؤول في النهاية إلى محاولة لسلخ الذات وجلدها واقتلاعها من شروط وجودها دون تأصيل للحرية والإبداع والتنمية والإنتاج، ولذلك يؤكد الجابري على كون الحداثة تجربة تاريخية عميقة تكابدها المجتمعات المدعوة نامية، ولكل مجتمع حداثته وفهمه الخاص للحداثة الذي لا يختلف عن التصور النموذجي لها في العمق ، لأنه يستحضر تاريخيته وجدلية الكوني والخاص في حياة الشعوب، فالحداثة نمط من المعرفة والسلوك يصعب استيعابه وتطبيقه دون فهم الشروط الذاتية لمجتمعات ما زالت تعيش التخلف والتقليد والاستبداد، هكذا تصبح الحداثة في نظر الجابري مشروعا معقدا لا مجرد شعار، أو نمط من الإيديولوجيا المسخرة في صراعات مفتعلة ، أو من أجل السطو على السلطة وتكريس مزيد من التبعية والجمود والتخلف ، مشروعا يضع ضمن أولوياته تثبيت العقلانية والديموقراطية كشرطين أساسيين لقيام أية حداثة، وبهذا تكون الحداثة إنجازا وليست نماذج للاستهلاك والإسقاط كما يحصل عندنا ، ولذلك فشلت حداثتنا، إنها صيرورة طويلة ومعقدة ومسبوقة بالوعي الحداثي العقلاني وببناء ديموقراطية حقيقية ، لا منطلقا علميا وسرا تمتلكه النخبة ، أو كائنا جاهزاماضويا أو مستوردا.

عمد الكاتب إلى اتباع سيرورة حجاجية من أجل الدفاع عن وجهة نظره ، والرد على معارضيه، ويمكن تتبع مراحل هذه السيرورة من خلال الجدول الآتي :

الأطروحة الحداثة موقف فردي وتحقيق للحرية الفردية الحداثة اختلاف في مفهوم والتطبيق محكوم بالصيرورة التاريخية لأمة ما، مشروطة بالعقلانية والديموقراطية.
نقيض الأطروحة الحداثة مفهوم كوني جاهز، ونسق فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي متكامل.
الاستدلالات شرط الفاعلية يقتضي الفهم الخاص للحداثة.
قصر الحداثة على الحرية الفردية يضرب مبدأ العقلانية كشرط لها.
اختلاف اللحظة التاريخية وشروط تحقق الحداثة في الأماكن المتعددة يدحض دعوى أصحاب المنظور الأحادي.
المحصلة المنطقية الحداثة ظاهرة تاريخية مرتبطة بصيرورة التطور ومشروطة بتوفر التفكير والسلوك العقلانيين والنظام الديموقراطي الحقيقي ـ رفض المطلق والجاهز يؤكده واقع الحداثة وتجاربها.

النص من حيث البنية المنطقية رد على معارض ضمني من سماته أنه من دعاة الحداثة بمفهومها الإطلاقي الشمولي المؤسس على الديموقراطية الليبرالية والعلمانية والعقلانية التجريبية المادية والعلمية والتقدمية والحرية الفردية وحقوق الإنسان باعتبارها نماذج ناضجة ونهائية في الفكر والممارسة الغربية حققت بعدها العالمي بعدما تبنتها المؤسسات والهيئات ذات القرار في المنتظم الدولي، وقد قام الجابري بتمحيص الرأي المعارض وإخضاعه للتحليل المنطقي وصولا إلى بيان ثغراته التي أضعفت حمولته المنطقية وقوته الاستدلالية، وحولته إلى خطاب إسقاطي دغمائي يبتعد عن جوهر الحداثة الذي من أجله حصل ما حصل في الغرب من تقدم، والمرتبط أساسا بتجذير التحول إلى العقلانية والديموقراطية بناء على إكراهات الخصوصية ومتطلبات المرحلة التاريخية والحيز المكاني ( الواقع الراهن ).

الأسلوب اللغوي

استعمل الكاتب روابط لغوية متعددة تناسب سيرورة الحجاج في النص ومن ضمنها استئناف الفقرات والجمل بألفاظ تحيل إلى الوثوقية وتعضد النزعة التمثيلية الاستقرائية ، وتؤمن الوظيفة الإقناعية من قبيل (الواقع أنه ، العمود الفقري الذي يجب ، فعلا لقد عمت العقلانية…) في جمل خبرية دقيقة في أبعادها الإشارية المباشرة والتي تركن أحيانا إلى الاطمئنان إلى بديهيات فلسفية مثل (ليست هناك حداثة مطلقة ـ الحداثة ظاهرة تاريخية ـ كلا ليست الحداثة موقفا فرديا إلا من حيث ارتباطها بالنقد والإبداع…)، ومن ضمنها أدوات التوكيد ( إن ـ أن ـ اللام ـ قد …) والعطف (الواو ، الفاء ـ عطوف البيان والنسق ) والقصر بأساليبه المختلفة (إنماـ النفي والاستثناء …) وتعابير التفسير والتفصيل (وبعبارة أخرى ـ باعتبار أن …)، وضمائر الفصل (إن الحداثة عندنا هي النهضة…، إن العمود الفقري هو العقلانية …) وأساليب النفي والإثبات وهي كثيرة ومسخرة لتثبيت موقف ونسف آخر، وأنماط من التكرار النسقي أو الدلالي أو بغرض التوكيد والتفسير( تكرار لفظ الحداثة ـ تكرار ألفاظ ذات حمولة فلسفية ـ تكرار نواسخ وأفعال وأسماء وقيود…)، والاستدراك والإضراب (ولكن مع ذلك ـ بل هي دوما ـ بل لقد خرجت …) وجمل الاعتراض (إن الحداثة هي، على الرغم من الأهمية التي تعطيها للفرد، ليست من أجل ذاتها …) وبعض أساليب التعريض والسخرية (بعض مدعي الحداثة عندنا يقلدون ـ بعض أدعياء الحداثة …)، وضمير النحن المضخم للذات المتحدثة باعتبارها ذاتا موثوقا بها في مضمار الحجاج والمناظرة الضمنية (نحن نعتقد أنه ـ فإننا لن ننجح …)، كل ذلك من أجل ضمان الاتصال الدلالي بين مكونات الملفوظ الحجاجي، وزيادة حدة الحضور الإيقاني للمعروض المنطقي، ووضع المتلقي في سياق تأويلي يحتاج إلى كثير من التركيز والانتباه، وربط المحمولات المنطقية بعضها ببعض تأمينا للانسجام وتلافيا للتناقض.

تركيب وتقويم

عرض النص مفهوم الحداثة باعتباره ظاهرة تاريخية مشروطة بالسياق الزمني والمكاني الخاص ومرتبطة جدليا بالعقلانية والديموقراطية، ونازع معارضي هذا المفهوم ممن يعتبرون الحداثة مفهوما كونيا كاملا لا يتجزأ يؤخذ كما هو باستدلالات منطقية قادته إلى تأكيد أطروحته التي نسج خيوطها في بداية النص، واستثمر العدة الأسلوبية الداعمة للحجاج بما فيها من روابط لغوية ومنطقية واستعمالات تعزز الوظيفة الإقناعية للغة المستعملة. وفي رأينا أن الحداثة كنموذج غربي منوه به، بالفهم الخاص أو الكوني، وإن حققت الكثير من التقدم العلمي وطورت الحياة المادية والاجتماعية للإنسان ، انتهت إلى تفريغ قيم العالم الحر من مدلولاتها بما أخفته من براغماتية ترتكز على منطق السوق والتجارة وتسوغ الهيمنة والاستعمار ونهب خيرات الشعوب الضعيفة وإخضاعها للتبعية وتبرر العنف والحروب ضدها ، وتهدد البيئة وتشوه الطبيعة الإنسانية، وتعتمد مقياس التبادل نموذجل أوحد للتواصل البشري حتى أصبح الأفراد في المجتمع الغربي ذرات مستقلة لا تربطها سوى علاقة الحاجة والمصلحة.

 

 

 

 

 

 

التضامن - مدخل مفاهيمي

 

 

مفهوم التضامن

يُقصد بالتضامن الاتحاد ومعاونة الغني أو القويّ للإنسان الفقير أو الضعيف، وهو سلوك إنساني يتمثل في تخفيف آلام ومعاناة الناس، وتقديم المساعدة للآخرين عند الحاجة، ويستمد التضامن قواعده من التعاليم الدينية والمواثيق والقوانين الدولية، ومن الشعور الداخلي في كل إنسان سويّ سليم يؤمن بأن الإنسان مخلوق ضعيف يحتاج في مرحلة ما إلى مساعدة الآخر، وهي قيمة إنسانية تضمن استقرار المجتمعات وتقدّمها.

التضامن هو مسؤوليّة تقع على عاتق الأفراد والجماعات كلٌّ حسب قدرته وحسب موقعه ودوره، والتخلّي عن التضامن إنما هو تخلٍّ عن روح الإنسانية، وهناك بعض المجتمعات التي تقتصر في تضامنها على من هُو في محيطها من أقارب وجيران، بينما يعتبر آخرون أنّ التضامن يجب أن يكون بينه وبين كلّ من هو بحاجة له من خارج مجتمعه وعلى اختلاق دينه واهتماماته السياسية الأُخرى، فتراهم يبحثون عن المحتاجين من مختلف أنحاء العالم ليُقدّموا لهم كُل ما في وُسعهم لمساعدتهم.

مفهوم التضامن في الإسلام

على الرغم من أن هُناك من يعتبر أنّ التضامن من أنواع الاشتراكية إلا أنّ التضامن يعدّ من المفاهيم الإسلامية المهمة، وتتعدد آيات القرآن والأحاديث النبوية التي تدعو للتضامن وتحث عليه، ومنها: قول الرسول ءصلى الله عليه وسلّمء مثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وغيرها من الأحاديث الدالة على هذا الخُلُق الإسلامي الحميد؛ فالتضامن والتعاون في الإسلام هو قيمة شاملة لكل الجوانب الحياتية، فهو يشمل الجانب الاجتماعي والروحي والمادي والسياسي.

كتب الله تعالى للمتضامنين أجراً عظيماً، وفي الوقت نفسه فإنّ الإسلام لم يمنع الإنسان من النظر في حاجاته المادية، ولم يصادم فطرة الإنسان، بل دعا إلى التوازن بين الحاجات المادية لنفسه وبين المطالب الروحية التي يدعوه إليها حسّه الإيماني.

أهميّة التضامن

إنّ أهميّة التّضامن تكمن في فوائده وآثاره الطّيبة على مستوى الفرد والمجتمع، ومن هذه الفوائد نذكر:

  • إنّ التّضامن هو قوّة للمجتمع؛ فالمجتمع الذي يكون أفراده متضامنين متكاتفين تراه مجتمعاً قويّاً متماسكاً، بينما ترى المجتمع الذي لا تكون فيه معاني التّضامن والتّكافل مجتمعاً هشّاً يسهل تفكيكه والسّيطرة عليه، وفي الحديث الشّريف إنّ يد الله مع الجماعة وهذا يعني أنّ القوّة تكون للمجتمع عندما يكون أفراده متضامنين متكاتفين؛ حيث يبارك الله تعالى هذا الاجتماع ويعطيه القوّة والهيبة.
  • إنّ التّضامن هو وسيلة لتحقيق غايات النّاس وأهدافهم؛ فالفرد لا يستطيع ومهما أوتي من قوّة أن يحقّق غاياته لوحده، ذلك بأنّ الحياة في كثيرٍ من الأحيان تتطلّب اجتماع النّاس مع بعضهم البعض بحيث يقدّم كلّ منهم جهده ومهارته ومعرفته في مجاله، فتكتمل أدوار النّاس لتحقيق الغايات والمآرب المختلفة.
  • إنّ التّضامن هو وسيلة لتفريج الكروب والهموم؛ فالنّاس يتعرّضون لكثيرٍ من الهموم والمشاكل في حياتهم، ويكون التّضامن فيما بينهم طريقةً لأن يشعر كلّ إنسان بأخيه الإنسان، فيطّلع على همومه ومشاكله ويعمل على حلّها، وفي الحديث الشّريف (مثل المؤمنين في تكافلهم وتعاضدهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى) .
  • إنّ التّضامن هو وسيلة لزيادة الإنتاج وتحقيق أرباح للمؤسّسات والشّركات؛ فالمؤسّسة أو الشّركة التي يكون عاملوها متضامنين متعاونين هي المؤسّسة القادرة على تحقيق معدّلات ربحيّة أكبر من الشّركات التي تفتقد إلى التّضامن بين أفرادها، إلى جانب قدرتها على زيادة إنتاجها بما يعود بالفائدة عليها.

وقد أدركت كثيرٌ من الدّول والحكومات أهميّة مفهوم التّضامن كقوّة للمجتمع، لذلك تأسّست عددٌ من التّكتلات التي حاولت تحقيق مفهوم التّضامن وإن ظلّ قاصرًا عن الوصول إلى حالة التّضامن المطلوبة مثل منظمة التّعاون الإسلامي التي تجمع الدّول الإسلاميّة، وكذلك مجلس التّعاون الخليجي الذي يجمع بين الدّول التي تقع على الخليج العربي.

مظاهر التضامن

  • تفاعل الأفراد مع الجماعات الضعيفة، والفقيرة، والمحتاجة، ومنهم ذوو الاحتياجات الخاصّة وضحايا العنف بأنواعه، وضحايا الحروب والكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والمجاعات، وغيرها الكثير.
  • التعرّف على طبيعة مشاكل الجماعات المستهدفة والإصغاء إليهم.
  • التعاطف مع الجماعات المستهدفة وتوفير مختلف مصادر العناية والاهتمام لهم.
  • التعرّف على تطلعات الجماعات المستهدفة ومساعدتهم في الوصول إليها وتحقيقها.
  • التعاون الكامل مع الجماعات المستهدفة ونصر قضاياهم ومساعدتهم في إيصالها إلى الرأي العام وأصحاب النفوذ والقرارات.
  • إبعاد الجماعات المستهدفة عن لعب دور الاتكال، ومساعدتهم في لعب دور فعّال والإمساك بزمام المبادرة من أجل حل مشاكلهم وقضاياهم المختلفة.

مؤسسات دولية تهتم بالتضامن

  • الصليب الأحمر: وهي مؤسسة تضامنيّة دولية أسسها هنري دونان سنة 1864م، وهدفها حماية ضحايا الحروب والكوارث الطبيعية وعلاجهم.
  • الهلال الأحمر: وهي مؤسسة تمثّل رمزاً للصليب الأحمر في البلدان الإسلامية، اعترف بها من طرف ندوة جنيف سنة 1949م.

 

 

 

 

 

مفهوم الإبداع - تحليل نص 'الإبداع ورهانات المستقبل' لمحمد سبيلا 

 

 

سياق النص

يعكس النص إحدى الاهتمامات بمجال حيوي مرتبط بالرأسمال الرمزي لكل أمة من الأمم، مجال إنساني كان مدار مقاربات متعددة من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع والمنشغلين بقضايا الفن والجمال والعبقرية والنبوغ البشري، وهو للباحث المغربي محمد سبيلا المتخصص في حقل الفلسفة المعاصرة، يحاول من خلاله تسليط الضوء على أزمة الإبداع العربي المعاصر ومعيقاته وسبل استعادة دوره في قيادة العلوم والفنون في الحضارة الراهنة.

ملاحظة النص

عنوان النص مركب عطفي يحيل فيه المكونان على نوع من العلاقة التلازمية التي يصبح فيها المستقبل مزدهرا ومتخلفا رهينا بالإبداع وجودا وعدما، ناهيك عما يطرحه المعطوف والمعطوف عليه من أسئلة الماهية والخلفية المعرفية والفكرية. وبالنظر إلى الملفوظ الأول والأخير في النص يتضح اتساع حجم هذه العلاقة في وسم طبيعة الكينونة الإنسانية باعتبارها وجودا عاما أو كيانات متفاعلة يسعى كل منها إلى إثبات ذاته وتحقيق وجوده الأفضل، ومن ثم فالإبداع منظورا إلى حاضره واستشرافا لمستقبله يحتاج إلى إنعاش أو على الأقل تنشيط في الرؤية والأدوات.

فهم النص

يتمفصل النص إلى عدد من التمفصلات الدلالية الآتية:

  • الإبداع نشاط إنساني فوق العادة يستهدف خلق صور ورموز وأفكارجديدة تعكس طاقات خلاقة تعمل على تغيير الواقع أو التحكم في الظواهر أو إعادة صياغة النظم بما يلبي شغف الإنسان بالحرية والجمال والعدالة والتقدم.
  • دور الإبداع في إنتاج أشكال الحضارة الإنسانيةوتطويرها، وصياغة أنماط العلاقات بين الناس أو بينهم وبين واقعهم المادي بما يعكس سمو الإنسان وتواصله المثالي وحياته الغنية بالاستكشاف والمغامرة.
  • الإبداع إبدعان فردي وجماعي، وانصهار الفردي في الجماعي ضروري لتحفيز القدرات وتحسين شروط العيش والخروج من التقوقع.
  • مقاربة الباحثين الإبداع من زاويتين: نفسية تعتبره تفجيرا لرغبات مكبوتة تجد فيه تنفيسا وتعويضا في شكل صور ورموز وأعمال ذات كثافة عالية وإخراج مؤسس على السمو والجمال، واجتماعية ترى فيه وجودا اجتماعيا مشروطا بسياقات تسمح بانبثاقه وتعمل على تكييفه، واتفاقهم الضمني على أن الإبداع وليد شروط ذاتية وموضوعية.
  • تأثير المجتمع في العملية الإبداعية إيجابا وسلبا بحسب درجة الانفتاح والانغلاق، فالمجتمع المتخلف الاستبدادي يعيق الإبداع ويعيد إنتاج نفس أشكال التخلف حفاظا على استفادة المتنفدين من الركود والجمود، والمجتمع الديموقراطي الحر يتيح للأفراد خيارات متعددة لتحقيق ذولتهم وإظهار قدراتهم والاستفادة من مؤهلاتهم.
  • دور الإبداع العربي في سياق التحول الديموقراطي أساسي للمشاركة في صياغة المشهد الحضاري المعاصر حاضرا ومستقبلا شرط أن يتخلص من الاجترار والاتكال على الموروث الجاهز في تلميع إبداع مترهل عقيم.
  • الدعوة إلى تواصل المبدعين العرب بكل أطيافهم واهتماماتهم لبلورة إبداع قومي متعدد ومنسجم.

تحليل النص

المستوى الدالي

يغلب على النص حقلان دلاليان: حقل الإبداع الفردي، وتدخل ضمنه كل الكتل اللفظية المرتبطة بالمبدع كفرد، وخاصة ما تعلق منها بالشروط الذاتية والنفسية المفتقة للإبداع، وحقل الإبداع الجماعي بمواده المعجمية الكثيرة الداله على أن الإبداع ظاهرة اجتماعية ومضمون مجتمعي وانبثاق من ثقافة الجماعة وانصهار فيها وتأسيس وتطوير لها، ودواله أكثر هيمنة على النص طالما أن الكاتب، بدأ بالعنوان وانتشارا على طول الممتد النصي، يرهن مستقبل الجماعة بالقدرة على إبداع فاعل، ويربط تجذير الإبداع وتفتيقه بنمط اجتماعي قوامه الديموقراطية واحترام الحقوق والحريات وتعزيز أشكال التواصل بين المبدعين، وغيره مما يصنع القيم الجمالية والفنية ويمنحها إمكانات الظهور والتحقق.

المستوى الدلالي

بنى الكاتب مقاربته للإبداع على استحضار كتل من التصورات لها علاقة بماهيته وطبيعته وتحققه بشكل عام، منتهيا إلى استثمار هذه الطبيعة والقيود المرتبطة بها في اقتراح مخرج من أزمة الإبداع في المجتمع العربي، وبما أن الأزمة لها علاقة بتخلف المجتمع عن التحديث وسيادة أنماط الوصاية والرقابة والاستبداد وانتهاك كرامة الإنسان، وتعثر محاولات التواصل الإيجابي بين المبدعين المتأثرين بمناخ معيق للتجديد والابتكار، والمنتجين لنفس أشكال الثقافة المستهلكة والمكرورة والناسخة لتجارب الآخرين في الماضي العربي أو الحاضر الغربي، وتبدو تصورات الكاتب رصينة ومقبولة وذات قيمة منطقية معلومة يؤسس بعضها لبعض فتصبح متوالية منطقية منسجمة تقود فيها المقدمات إلى النتائج عبر تحليلات أقرب ما تكون إلى مسلمات أو تحصيل حاصل، من قبيل أن الإبداع خلق وابتكار، وأنه وراء صنع أشكال الحضارة والتقدم، وأن الجهد الإبداعي الفردي المنصهر في الجهد الجماعي ضروري لتشكيل الظاهرة الإبداعية وإنضاجها بما يخلق حركية التغيير والتطوير، وأنها لا تتحقق في مجتمع متخلف متسلط منغلق يفرض نموذجا واحدا يعيد إنتاج ذاته بأشكال سطحية رديئة، والحاصل أن المجتمع العربي محتاج إلى تحولات جذرية كي يكون للإبداع معنى وحضور ودور في تسريع وتيرة التقدم وضمان موقع مؤثر في المشهد الحضاري العالمي المتجدد باستمرار، لأن أمة لا تبدع حاضرها بكل إشراقاته لا يمكن إلا أن تواجه مستقبلا مظلما يهدد كيانها بالاضمحلال والتلاشي والاضطراب والموت بمفهومه الحضاري.

التقابل ظاهرة فنية توظف لأغراض مختلفة، وقد قابل الكاتب بين الكلمات والجمل والفقرات، فقابل مثلا بين الإبداع الفردي والجماعي، والانفتاح والانغلاق، والتقوقع والانصهار، والبعد النفسي والاجتماعي، وبين التاريخ والواقع والمستقبل، وبين صياغة المفهوم وتتبع تحققاته، وبين الرصد والتحليل والاستنتاج…، وكل تلك التقابلات بمستوياتها اللفظية والتركيبية والنصية أسهمت في تقوية البناء الحجاجي في النص، وتأمين انسجام المتواليات الفكرية وتماسكها ضمن تركيب فني ومنهجي يسهل عملية استقبال المحمولات المنطقية واستيعابها والاقتناع بها.

في خضم اللغة العلمية المباشرة والمنطق الاستدلالي الرصين يجد الكاتب فسحة لاستخدام كلمات موحية تفارق محتوياتها القضوية المباشرة لتحيل على دلالات سياقية ضمن قوة إنجازية يسهل التقاط محمولاتها الإشارية بسبب كثرة تداول تلك الألفاظ بتلك الحمولات في سياقات مماثلة، وهو أمر تفرضه الطبيعة الإبداعية الخلاقة للغة، ويفرضه منطق التحليل المحتاج الى أوعية لفظية ذات دلالات امتدادية وقدرة توصيلية غير محدودة. ومن تلك الألفاظ: التقوقع الذي يعني الجمود والانكماش والانعزال عن الآخر، والانصهار المقابل للتواصل والاندماج و الانفتاح، والتفجير الذي يعني إظهار طاقات وتحرير مكبوتات، والمتنفس والاجترار والآسن وغير ذلك من الألفاظ التي توفر للنص بالإضافة إلى بعده التواصلي الإقناعي بعدا جماليا إمتاعيا يثير المتلقي ويحفزه على القيام بجهد تأويلي وإدراكي ممتع.

الأسلوب اللغوي

يزخر النص بكل أنواع المصادر الثلاثية والرباعية والخماسية والسداسية والمصدر الصناعي (فعاليةء الإبداعء تجاوزء تخطيء إنتاجء استشرافء تغييرء ملاءمةء أصالةء الحريةء الرغبةء السمو ـ الجمالء مصداقية….) كما يزخر بالأفعال المضارعة وأسماء الفواعل والمفاعيل والأسماء المنسوبة، وكلها صيغ صرفية تحيل هيمنتها داخل النص إلى كونه منشغلا ببناء التصورات المرتبطة بالإبداع والمجتمع في الراهن والقابل من الزمن، وتوصيف طبيعتها وواقعها وأفقها وشروطها والمتدخلين في صياغة وجودها الكائن والممكن.

يروم النص تحقيق حزمة من الأهداف التي من ضمنها طرح إشكالية مفهوم الإبداع، وإزالة الكثير من اللبس الذي أحاط بطبيعته ووظيفته، باعتباره آلية خلاقة للتجديد والتطوير وتحقيق تواصل الإنسان مع ذاته ومحيطه بكل أشكاله بما يدفع به نحو استثمار أفضل لطاقاته وقدراته وتفاعله المؤسس على تبادل التأثير والتأثر والاستفادة القصوى من الامكانات المتاحة والتجارب المتجددة لتمكين وجوده الاجتماعي من الأفضل على المستوى المادي والمعنوي والفكري والجمالي … ومن ضمن أهداف النص أيضا، إثارة مشكل الإبداع العربي المأزوم، وما يطرحه من تحديات، وينتظره من رهانات لاستعادة تألقه وتجديد كينونته المترهلة بإنجاز حقيقي وتحولات جذرية ينصت فيها الجميع إلى نبض الشعوب المتعطشة للانعتاق والكرامة والتقدم والعدالة مما يستنفر الملكات ويهيج القدرات ويشحن المواهب ويوسع أفق الإبداع فيثمر إشعاعا، ويفسح لوجوده الخاص موقعا محترما داخل الإبداع الانساني العام.

تركيب وتقويم

يعكس النص إحدى الانشغالات التي طرحت إشكالية الواقع العربي المتشظي من زاوية الابداع الحضاري بسبب انعدام الانسجام بين الرؤى المطروحة في المجتمع، والتي اتسمت منذ خمسينات القرن الماضي بنوع من التحنيط والجمود والتخبط يمينا ويسارا ووسطا وأصالة وتحديثا، يزيدها تعثرا وتخلفا واقع الأنظمة العربية المنبنية على الاستبداد وكبت الحريات والحقوق وتزكية ثقافة الخنوع والانبطاح وغيره مما يعد تعويقا حقيقيا لكل أشكال الإبداع، وإنتاجا وإعادة إنتاج لثقافة الرداءة والتزييف والانتهاك، وقد نحا النص منحى علميا في تفصيل مفهوم الإبداع وطبيعته، ونوع المقاربات التي عرضت له، واستمد قيمته المنطقية من نتائج الأبحاث في علم النفس والاجتماع والحضارة والتاريخ، ومن استقراء الواقع وتمحيص ظواهره ليقدم للمتلقي العربي نوعا من العلاج المسعف في الخروج من النفق المسدود، كل ذلك بلغة علمية مباشرة حبلى بالمصطلحات المحيلة على حقل النفس والمجتمع والحضارة والثقافة والفن، تتخللها تعابير مجازية تدسم النص وتدفع عنه بعضا من جفاف المعروض المنطقي الصرف.

 

 

 

مفهوم الإبداع - مدخل مفاهيمي 

 

مفهوم الإبداع

يعرف الإبداع على أنّه القدرة على الإتيان بأمر جديد في أي مجال من مجالات العلوم أو الفنون أو الحياة بصفة عامة، كما يمكن وصف طرق التعامل مع الأمور المألوفة بطرق غير مألوفة على أنّها إبداع، ويدخل في نطاق ذلك دمج الأفكار والطرق القديمة بعد تمريرها على المخيلة للخروج بنتيجة جديدة، ويكون الإبداع في الغالب فرديّاً، وهو المرتبط بالفنون أو الابتكارات العلميّة، إلا أنه يمكن إخراج عمل إبداعي بواسطة المشاركة الجماعيّة لعدة أشخاص.

أنواع الإبداع

  • الإبداع التعبيري: يتميز مبدعو هذا المجال بالقدرة على الإلقاء بين الناس، كما يتميّزون في المجالات المتنوعة مثل: الفن، والأدب، والثقافة.
  • الإبداع الفني: يتميّز مبدعو هذا المجال بالقدرة على العزف على الآلات الموسيقية، أو الغناء.
  • الإبداع الإنتاجي: يتميز مبدعو هذا المجال بابتكار الحلول الإدارية غير التقليدية، ويستخدم عادةً في المجالات الإدارية المتنوعة.
  • الإبداع الخلاق: يمتيز مبدعو هذا المجال بإيجاد حلول للمشاكل أو المواد بكلٍ فعّال.
  • الإبداع المتجدد: يتميز مبدعو هذا المجال باختلاق الحلول المثالية والجذرية للمشاكل المختلفة.
  • الإبداع المفاجئ: يتميز مبدعو هذا المجال بإيجاد حلول للمشاكل الطارئة أو المفاجئة.

مراحل الإبداع

مرحلة الإعداد أو التحضير

ينغمس الفرد المبدع أو الفريق المبدع في هذه المرحلة في المشكلة، فهي مرحلة جمع للمعلومات، أما في عمل الفريق فهي مرحلة جهد تضامني تبدأ فيها صياغة الأدوار، وتعيين مساحات الاهتمامات الخاصة لكل الأعضاء، والتنسيق، والربط بين المهمات، وتشهد هذه المرحلة أحياناً تباطؤ في عملية الإبداع فعلياً، أو ظاهرياً، وخاصة عندما لا ينتج عن كثير من مسالك البحث والتحليل المطروحة إضاأت مُرشدة يمكن أن تلمس جدواها في وقتها، وهناك العديد من البحوث التي تُشير إلى أن من يُخصصون الكثير من الوقت لتحليل المشكلة، ومعرفة عناصرها قبل البدء في حلها هم الأكثر إبداعاً ممن يُسارعون في حل المشكلة.

مرحلة الاحتضان

مرحلة الاحتضان هي مرحلة ترتيب يتحرر العقل من خلالها من العديد من الأفكار، والشوائب التي لا ترتبط بالمشكلة، وهي تشمل هضماً عقلياً شعورياً، ولا شعوري، وامتصاص لكافة المعلومات، والخبرات المكتسبة المناسبة التي ترتبط بالمشكلة، إضافة إلى تميز هذه المرحلة بالجهد الكبير الذي يبذله المبدع من أجل حل المشكلة، وتعود أهمية هذه المرحلة إلى إعطائها فرصة للعقل للقضاء على الأفكار الخاطئة التي بإمكانها إعاقة الأجزاء المهمة منها.

مرحلة الإشراق

مرحلة الإشراق هي مرحلة الحضانة، وعمل الدماغ الصامت، فباستطاعة الأفكار، والاختراعات في هذه المرحلة الخروج دون أي مُقدمات، أو إشارات، ومن الأمور الأكثر شيوعاً في ولادة الأفكار الجديدة هي أن المبدع لا يُفاجأ بولادة الحل العبقري المكتمل النهائي، بل يُفاجأ بزاوية نظر جديدة تدفعه بشكل مُفاجئ، ومُلح إلى ترك كل ما في يده، والرجوع إلى مُعالجة المشكلة دون معرفته لماذا، وحين قيامه بذلك يشعر بالسعادة، وحينما يكون المشروع الإبداعي عمل فريق فإن مرحلة الإشراق هي المرحلة التي تسوق الأعضاء ليجتمعوا، وليُصدروا أفكاراً، وإبداعات جديدة.

مرحلة التحقيق

يتعين على المبدع في مرحلة التحقيق أن يختبر الفكرة، ويُعيد النظر بها ليرى هل هي فكرة كاملة ومُفيدة، أو بحاجة إلى شيء من التهذيب، والصقل، فهي مرحلة تجريب للفكرة الجديدة المبدعة، وهي الفيصل بين الإبداع المجرد، وبين الابتكار الموفق، فالأفكار الجديدة تحتاج إلى الحركة، والإصرار، والقدرة على البناء، والشجاعة، وتلعب الإدارة في هذه المرحلة دوراً مهماً في تشجيع، وإنجاح العمل الإبداعي.

معوقات الإبداع

  • عدم الثقة بالنفس.
  • الخوف من تكرار الأخطاء.
  • صعوبة تحديد الأهداف والوسائل.
  • الخوف من المجتمع، والعادات والتقليد.
  • عدم تحفيز الأفراد.
  • عدم الطموح.
  • الافتقار إلى الحماس.

 

 

 

مفهوم التواصل - تحليل نص 'التواصل' لنور الدين أفاية 

 

 

سياق النص

التواصل باللغة، وغير اللغة، وداخل المجال التداولي، والمخيلة فيه ركيزة أساسية، من انشغالات الفكر المعاصر الذي عاب على عقلانية الحداثيين، ممارسة سلطة العقل والعلم بكيفية آلية قزمت حضور الإنسان، وأفضت إلى إيديولوجية لا عقلانية تغيب فيها الأخلاق وتحضر السيطرة والتشييء، فالتواصل اللغوي وغير اللغوي يحمل خبراً يتحول إلى سلوك، ودلالة على مضمون، وتتعدد السلوكات والمضامين وتتعالق وتتفاعل فتسنج علاقات بين الأنا والآخر ليست دائما رهينة تواصل جيد، والتواصل الما بعد الحداثي هو تواصل مفتوح يعبر عن أزمة الكائن البشري في هذا الكون، وعجزه عن بناء جماعة إنسانية منسجمة رغم الشعارات المثالية للفكر الليبرالي الحر أول من ينتهكها منتجوها.

وفي هذا الإطار يحاول أفاية مقاربة مفهوم التواصل في كتابه ”المتخيل والتواصل، مفارقات العرب والغرب” حيث يرى أن وسائل التواصل الحديثة فرضت نفسها بصورها ومخيلتها في تكوين المعارف والتزويد بها، فتجاهلها تجاهل للواقع لا وعي به، وأن الضرورة باتت ملحة في ظل الآفاق المنفتحة للتواصل لتقييم الأنا والآخر لمدركاتهما عن بعضهما وتصحيح المختل منها في إطار تفاعل إيجابي بعيد عن الاستعلاء والهيمنة أوالرفض والمعاداة.

ملاحظة النص

بالنظر إلى عنوان النص، ومن خلال نظرة عمودية سريعة في صدور الفقرات يتضح أنه يرهن تقاطع الفردي والجماعي بوجودهما في دائرة التواصل القائم على انتقال الرسالة اللغوية أو الخدمات أو الممتلكات على نحو تفاعلي بين المرسل والمرسل إليه مبثوثة ومستقبلة داخل سياق سوسيوء سيكولوجي يضبط العلاقة بين أطراف عملية التواصل، بما يؤسس شكل التبادل داخل الجماعة المتواصلة على مستوى المدرك الذهني والسلوك الاجتماعي والوجداني، الذي لا يخلو من اضطراب أو تعقيد بسبب كثرة المعيقات المرتبطة بالمصالح أو الخلفيات الإيديولوجية.

فهم النص

تقوم مقاربة مفهوم التواصل في النص على دعامات فكرية أساسية هي:

  • التواصل شرط لقيام الحياة الاجتماعية باعتباره تبادلا لبلاغات مشحونة بدلالات متعددة سواء أكانت رموزا وعلامات أو خدمات وممتلكات.
  • التواصل وسيلة للتنشئة الاجتماعية لدوره في تكوين الفرد وتشكيل وعيه بنفسه وبالعالم بما يتمثله ويستضمره من تجارب وسلوكات من يتفاعل معهم.
  • اللغة بعلاماتها اللغوية وغير اللغوية أساسية في تأمين التواصل في إطار تبادلي تتسع دائرته لتشمل الجماعة اللسانية باعتبارها حاملة للمعاني والأخبار وقابلة للتفكيك والتأويل..
  • اعتبار العلامات غير اللسانية لغة تعكس سلوكا قابلا للإدراك، مرتبطا بحالات الوعي، ومصنوعا قصدا من أجل الإيحاء، أومن أجل أن يتأثر الشاهد بالرسائل مشفرة، أو حتى غير المقصود ولا الواعي، يدفع بالتواصل إلى تجاوز المرسل والمستقبل والتركيز على العلاقة التي تجمعهما.
  • طبيعة التواصل المعقدة باعتباره عملية تداولية تفاعلية قد تصادف معيقات مرتبطة بسوء الفهم وانعدام القصد وحالات مرضية لبعض الأطراف ومصالح خاصة وأحكام مسبقة، وهي معيقات تفضي إلى الغموض والاضطراب.
  • حصول عمليات التفاعل المتعددة والمعقدة داخل سياق تواصلي متناسب الايقاعات تحكمه اعتبارات نفسية ومستويات سياسية وسوسيواقتصادية وثقافية وسياسية خاضعة للمصالح والمرجعيات والمسبقات المتحركة داخل الرسمال الرمزي للجماعة التواصلية المحددة.

تحليل النص

المستوى الدالي

يتوزع النص حقلان دلاليان أحدهما لساني والآخر اجتماعي، ويصب الحقلان كلاهما في فلسفة التواصل مفهوما وتشكلا ووظائف وأبعادا، ويتعلق بمجال اللسانيات كل الكتل اللفظية المتعلقة بعالم الدلالات والرموز والعلامات والتداول ومنطق اللغة وعمليات الإرسال والتلقي والتعبير والانفعال والإدراك والتأويل، ويرتبط بعلم الاجتماع كل الألفاظ المحيلة إلى السلوك الاجتماعي الفردي أو الجماعي تبادلا كان أو وعيا أو تفاعلا أو تنشئة أو اتفاقا أو اعتباطا أو نمطا أو موقعا أو سياقا أو علاقات أو مستويات وعوامل، والملاحظ أن الحقلين متداخلين نظرا لأن الوظيفة التواصلية للغة لا تتحقق إلا بفعل التفاعلات الاجتماعية بكل مستوياتها وتعقيداتها وخلفياتها وقيودها.

المستوى الدلالي

يرى الكاتب أن التواصل يسهم في التنشئة الاجتماعية، وهو رأي لا يحتاج إلى تبرير لأن اللغة التي يتعلمها الإنسان وترافقه في حياته ببعديها اللفظي والأيقوني في جوهرها قائمة على أساس التواصل، فهي شرط للحياة الاجتماعية و ضرورة من أهم ضروراتها؛ وهي تحقيق التواصل في هذه الحياة وأساس لتوطيد التعايش فيها، ومن هنا لا يمكن تصور حياة بلا لغة، وكذلك لا حياة بدون تواصل. فالتواصل جوهر وجودي أساسي للإنسان، من خلاله يرتبط هذا الأخير بالأشياء ويبني إدراكا ووعيا خاصا، ويستفيد من تجارب ويستبطن رؤى ويكون قناعات وينشئ معاني وينسج قيما ومعايير للحكم على تلك الأشياء ويصنع صورا عن الآخرين وعن نفسه.

يشير الكاتب إلى أن التواصل قد يتعرض لعوامل سلبية تسبب له أضرارا بالغة، ذكر منها غموض الرسالة المتبادلة وسوء الفهم والاضطراب في العلاقة بين المتواصلين، وهذه العوامل مرتبطة إما بمرسلين ومستقبلين غير أسوياء تتحكم فيهم أنا مريضة أو متعالية، أو برسائل محكومة بمصالح ذاتية أحادية أو خلفيات إديولوجية أو عوامل نفسية أو سياسية أو مستويات اجتماعية واقتصادية أو حمولات ثقافية متعارضة أو أحكام جاهزة مسبقة، مما يعني أن التواصل البشري عملية بالغة التعقيد، وليست سلسة دائما، وتتطلب جهدا كبيرا من الأطراف المتعددة لتأمين الفهم والوصول إلى التفاهم.

معنى قول الكاتب أن ” كل تواصل يحمل في ذاته خبرا ويولد بالتالي سلوكا” يرتكز على أن اللغة في نظره حوار بين عقول المتحدثين، تهدف إلى إقامة جسر التفاهم وبلوغ الإجماع بصدد عدد من القضايا. واللغة هنا جملة قواعد تؤسس للاتصال بين الناس وليست أصواتا تلقى شذر مذر، بل إن كل فعل لغوي يندرج ضمن تحققات لها منطلقها واستعمالها الخاص، وهي مرتبطة بأنماط حياة كما يقول فيتجنشتاين، لذا فإن كلا من الصحة والمصداقية والمعيارية والمسؤولية تهم البعد القيمي للمنطوق وتقدم البرهان على ماتقول. ومن ثم فاللغة بوصفها نظاما رمزيا من ضمن الأنظمة الرمزية التي يسخرها العقل في استلهامه للخيال أو إدراكه المعقلن، تلعب دورا فاعلا في فهم الآخر (الغريب منه أو القريب) والأشياء الممكنة (الحدسية منها والمحسوسة) في عوالمنا. فمعرفة العالم وتمظهراته الاجتماعية يمر خلف إسار اللغة وقواعدها وتراكيبها وعن طريق التداول، فلكل حادث حديث ومتحدث وسياق. ونحن عندما نحاول أن نعبر عن شيء ما قد نصيب فيكون المعنى واضحا، وقد يخوننا التعبير فيكون المعنى غامضا، والمعنى هنا هو الشيء المحدد لمعظم تعبيراتنا الاتصالية. والاتصال عبر المعنى يسمى تواصلا، ولو خلا التواصل من المعاني لانتفى القصد والهدف من اتصال الإنسان باللغة والكلام. وغاية العقل التواصلي أن يجنح العقل الكامن فيه إلى التذاوت المؤدي إلى التفاهم وتداخل الحقائق، فالقول والفعل مرتبطان؛ وليس القول هنا بمعنى التصوير والتمثيل أو البيان. فالتواصل يشير إلى ما يفعله المتكلم بقوله، والغرض القصدي من ذلك هو التفاهم بين الذوات وهنا يرفض أن يبقى مفهوم العقل حبيس فلسفة الوعي القائمة منذ ديكارت على ثنائية الذات والموضوع والخير والشر…الخ. فمهما بلغ هذا العقل “الديكارتي” من قوة في حسن التفكير ودقة في التحليل، فهو عاجز اليوم عن تصور خلاص لأزمة البشرية. لذا تقترح فلسفة التواصل الاستغناء عن الذاتية (صوبجيچتيڢيتé) والاستعاضة عن الفكر الأحادي والتأمل المونولوجي بتواصل فكري مزدوج قوامه التذاوتية (ىنتيرسوبجيچتيڢيتé) مع الآخر وبالآخر، وهو محصلة العلاقة بين أنا وأنت. مما يفسح المجال إلى تواصل مزدوج قائم على الحوار المتبادل في مظهره العقلاني المقرون بسياق لغوي تداولي يعتمد البرهان وأسلوب المحاججة.

الأسلوب اللغوي

استثمر الكاتب في النص الكثير من أدوات الربط المنطقي والدلالي واللفظي، منطقيا شكل الانتقال من العام إلى الخاص، ومن الكل إلى الجزأ، وعبر علاقات السببية والتزامنية والاقتضائية مدخلا لبناء مفهوم التواصل وتفكيك أبعاده وتتبع معيقاته واستنتاج طبيعته التفاعلية المعقدة بشكل تحليلي وصيغ استدلالية صارمة تستمد قيمتها المنطقية من نتائج العلوم الللسانية والاجتماعية ونظرياتهما الأكثر تحيينا وتمحيصا، أما على المستوى التركيبي والأدوار الدلالية التي تضطلع بها أدوات الربط الشكلية فقد مثلت مجموعة من الأساليب ذات الطبيعة التفسيرية التي تسعى إلى بناء المفهوم وتشريح أبعاده وتوسيع نطاق تداوله عبر ركام من التصورات متعددة المرجعيات العلمية ذات كفاية منطقية رصينة، قنوات لتأمين الانسجام الدلالي والتماسك المنطقي، ومن ضمنها التكرار والترادف والاعتراض والضمائر وحروف التوكيد والعطف والتفسير، والألفاظ الدالة على العموم والتوصيف ( بصفة عامة، بوصفه تبادلا..، يمثل، يشكل…)، والوثوق والاستيقان ( لاشك أن ..، معلوم أنه..، المهم أن…)، والاسترسال في التحليل والاستنتاج ( وهكذا فإن، كما أنها، ثم إنه، ومن ثمة يغدو…، وبالتالي…، كل تواصل إذن…، كل هذا يفضي إلى …، والشرط والجزاء ( إذا تجاوز التواصل .. فإنه يصبح..، ومهما يكن… فإن هناك..، والاستدراك والإضراب ( ولكنها تشغل كذلك بما هو غير كلامي، بل إن …).

استخدم الكاتب اللغة التقريرية في عرض مفهوم التواصل، وهيمنت الجمل التقريرية على النص طالما أنه منشغل بمقاربة لمجال مفهومي يستدعي جهازا اصطلاحيا دقيقا مستمدا من مجال اللسانيات والسيميولوجيا وعلو الاجتماع والفلسفة وعلم النفس، وإلى معجم مباشر وتراكيب وظيفية ذات بعد وصفي وتفسيري كاف لتأمين وصول المفهوم واضحا ومقنعا إلى متلق خاص يفترض أنه يتحكم بشكل ما، أو على الأقل يسهم في بناء الأنظمة الرمزية الدالة المشكلة للوعي الإنساني المعاصر بما يختزنه من رؤى متوافقة أو متعارضة للأشياء والقيم والخير والجمال والأنا والآخر.

تركيب وتقويم

التواصل كما يقول شارلز كولي “هو العملية التي توجد بواسطتها العلاقات الإنسانية وتتطور…”، ولذلك فالبعد الواقعي للتواصل لا يتطلب التأسيس النظري بل يرتبط بانطباعية اللقاء ويظهر في تجارب التعاطف الوجداني والمعايشة النفسية والتخيل.

إن الرغبة في التواصل هي فعل يتأسس أولا وقبل كل شيء على الفهم والإحساس بالآخر في إطار تصوري موضوعي للعلاقات البشرية لا يكتفي بالتركيز على البعد الاقتصادي الاجتماعي بل يتعدى ذلك نحو الكشف عما في هذه العلاقات من معنى وجود ونمط حياة بالمعنى العميق والكوني للكلمة.

إن التواصل وإن كان ينطلق من إستراتيجية تحقيق الإنا والتأثير في الغير إلا أنه يهدف في العمق إلى تكوين فضاء عمومي يكون بمثابة مسطح تنبني فوقه العلاقات القائمة على الاختلاف والحوار وسيادة روح الديمقراطية والتسامح. من هذا المنطلق تدعو الفلسفة المعاصرة خاصة مع هابرماس وآبل وراولز وتايلور إلى تشييد نموذج آخر للتواصل يعوض التعاقد Cونتراتالاجتماعي الكلاسيكي بين الفرد والمجتمع بتوافق Cونسينسوس تبلوره المناقشة العامة عبر المداولة الحرة بين جميع أفراد المجتمع بهدف تجسيد المواطنة الديمقراطية التي تسمح بخلق علاقة تشاورية تشكل أرقى مستوى من الديمقراطية التمثيلية، وبإعادة الاعتبار إلى الذات الفاعلة في الفضاء العمومي والمشاركة بايجابية في الشأن العام. بيد أن “التواصل في مجتمع برجوازي معولم يتعثر بسبب المؤسسات المحافظة والعلاقات النزاعية بين الطبقات، ومن ثم ينبغي أن يكون التفاعل الاجتماعي ثوريا…” لكن إذا كان الواقع المعاش لا يحتمل انجاز الحلم الثوري كما تصوره فلسفة ماركس ألا ينبغي أن نبدأ في تطوير جذري لحقل التواصل بين البشر ونوفر معطيات يمكن تبليغها للآخرين رغم الحواجز والتحفظات البيروقراطية؟


 

 

مفهوم التواصل - مدخل مفاهيمي

 

 

مفهوم التواصل

التواصل لغةً هو الاقتران والاتصال والصلة والترابط والالتئام والجمع والإبلاغ والانتهاء والإعلام، وتعني إنشاء علاقة ترابط وإرسال وتبادل، وتوَاصلَ الصَّديقَانِ، أي واصلَ أَحدُهما الآخرَ فِي اتِّفَاق ووئام: اجْتمَعا، اتَّفَقا، وتواصَلَ الحديثُ حَوْلَ الْمَائِدَةِ: أي تَوَالَى، وتواصلتِ الأشياء، أي تتابعت ولم تنقطع.

أما التواصل اصطلاحاً فهوعمليّة نقل للأفكار والتجارب وتبادل المعارف بين الأفراد والجماعات، وقد يكون التواصل ذاتياً بين الإنسان ونفسه أي حديث النفس، أو جماعياً بين الآخرين، وهو مبنيٌّ على الموافقة، أوالمعارضة والاختلاف، كما ويُعدُّ جوهر العلاقات الإنسانيّة وهدف تطويرها؛ لذلك يوجد وظيفتان رئيسيتان للتواصل: وظيفة معرفيّة متمثلة في نقل الرموز الذهنيّة وتوصيلها بوسائل لغويّة، وغير لغويّة، ووظيفة وجدانيّة تقوم من خلال تقوية العلاقات الإنسانيّة.

أهميّة التواصل

التواصل هو وسيلة لفهم النّاس، فالإنسان يحتاج إلى أن يتواصل مع غيره حين يريد أن يستعلم عن شيءٍ معين، كما هو وسيلة لفهم طبائع النّاس، فالإنسان قد يسمع الكثير عن شخصٍ معيّن، ولكن حصول تواصل مباشر بينها قد يجلّي حقائق كثيرة عن الشّخص لم تستطع الأخبار نقل صورةٍ صحيحةٍ وحقيقيّة عنها، وفي الأثر ليس الخبر بالمعاينة، أي أنّ رؤية الشّخص أو الشّيء غير السّماع عنه، وبالتّالي فإن أهميّة التواصل تكمن في أنّها تجلّي كثيراً من الحقائق التي قد تكون ملتبسة، كما أنّها تتيح للإنسان رؤية الصّورة الحقيقيّة التي لا زيف فيها للشّخوص والأشياء.

التّواصل يعدّ وسيلة لتحقيق الأهداف وإنجاز الأعمال، فالإنسان حين يضع نصب عينه هدفًا معيّنًا فإنّه لا يستطيع تحقيقه بدون أن يتواصل مع غيره من النّاس، فجهود النّاس مسخّرة لخدمة بعضها البعض، كما أنّ سنّة الحياة الدّنيا مبنيّةً على التّعاون وتبادل الخبرات والمهارات بين النّاس فكلّ واحدٍ لديه شيء يميّزه عن أخيه؛ وبالتّالي يشكّل التّواصل فرصةً لتبادل المهارات والخبرات التي تؤدي بالنّتيجة إلى تحقيق الأهداف وإنجاز الأعمال.

كما أنّ التواصل يعدّ وسيلة لإيصال الرّسالة، فقد استخدم الأنبياء أسلوب التّواصل مع أقوامهم من أجل إيصال رسالة الله سبحانه وتعالى للبشر وتبليغ شرائعه وتعاليمه للنّاس، كذلك يستخدم المعلم والمربّي أسلوب التّواصل حين يريد إيصال رسالة التّعليم إلى طلابه وشرح العلوم المختلفة لهم، وهذا الأسلوب ينطبق على كثيرٍ من النّاس الذين يحملون رسالة نبيلة في حياتهم ويودّون توصيلها إلى النّاس.

التّواصل كذلك وسيلة لحلّ المشكلات والخلافات بين النّاس، فالإنسان السّاعي بالخير والإصلاح بين النّاس يتواصل مع المتخاصمين من أجل أن يصلح ذات البين بينهم. وهو أيضاً أسلوب يستخدمه السّياسيّون وأصحاب البرامج، فالسّياسي الذي يطمح في الوصول إلى المناصب السّياسية في الدّولة مثل نواب الشّعب يستخدم أسلوب التّواصل مع قاعدته الشّعبيّة من أجل شرح برنامجه السّياسي وما ينوي فعله من أجل خدمة النّاس وحسن إدارتهم.

أنواع التواصل

التواصل اللساني

أي عن طريقِ اللغة، وهي مجموعة من العلامات والإشارات التي هدفها التواصل أثناء اتحاد الدال والمدلول بنيوياً، وتقاطع الصورة السمعيّة مع المفهوم الذهنيّ، ويذكر ابن جني في كتابه الخصائص بأنَّ اللغة هي أصوات يستخدمها قوم للتعبير عن أغراضهم واحتياجاتهم، وهذا يعني تقسيم اللغة إلى: الكلمات، والكلمات بدورها تنقسمُ إلى أصوات، ومقاطع صرفيّة، ولكن الأصوات لا يمكن تقسيمها إلى وحدات، لأنَّ الصوت مقطع لا يقبل التجزئة، فإذا جمَّعنا الكلمات تُصبح جُمَلاً، والجُمل تصبح فقرات ومتواليات، والفقرات تصبح نصاً، ويكون النص عبارة عن تأليفٍ والذي هو اللغة، ومن أنماطه: التواصل مع الذات عن طريق وعي الذات بوجودها، وماهيتها، ووعيها الداخليّ للعالم ونمط التواصل بين الفرد والآخرين، لأن فهم الآخر يساعد الفرد على فهم نفسه، وتنمية الروح المشاركة بينه وبين الجماعات.

التواصل غير اللفظي

إنّ النظر في السلوكات غير اللفظيّة في علوم التربيّة كان أحد أهداف علماء النفس والاجتماع، وذلك لفهم التواصل في إطار الديداكتيكيّة من جميع جوانبها خاصة الجانب السيكواجتماعيّ، أي الآثار المعرفية والوجدانية التي تحدثهما السلوكات غير اللفظية؛ ونظراً لأهميتها التربويّة في توضيح السلوكيات اللفظية لم تعد هذه الحركات قاصرة على اللغة الطبيعيّة، فهي تُكمل وظيفتها، وتوضحها عن طريق التشخيص والتجسيد؛ لذلك ينبغي النظر إلى السلوكيات غير اللفظيّة بمنظار بُنيويّ كليّ متفاعل مع جميع السلوكيات الأخرى، لما لها من تأثير ايجابيّ أو سلبيّ على الفرد.

الأهداف الأساسيّة للتواصل

  • تشخيص المشاكل، وحلّها بالطرق المناسبة.
  • الدخول في العملية التربوية والتعليمية، وتسهيل عملية التدريب وتعلّم المهارات الجديدة.
  • تقديم النصائح والإرشادات بالإضافة إلى إعطاء التوجيهات التي تزيد فعالية العمل.
  • التغيير الإيجابيّ للسلوك العام، وتغيير المبادئ أو القناعات أو القيم المترسخة في العقل.
  • تحسين عملية الفهم والاستيعاب.
  • تسهيل عملية اتخاذ القرارات المختلفة.
  • التعبير والإفصاح عن كلّ ما يجول في النفس من مشاعر وأفكار.
  • المساعدة في الأبحاث العلمية المختلفة.
  • تبادل المعلومات المختلفة، وذلك من خلال تقديمها من الطرف المرسل، والحصول عليها من الطرف المستقبل.

ضوابط التواصل

للتواصل عدة ضوابط هي:

  • ضوابط التبليغ والإرسال: تشمل هذه الضوابط على العديد من الأمور كحسن البيان، والتعامل برفق مع المتلقي، والتخاطب معه بالحسنى، والنطق بالألفاظ الطيبة عند الحديث مع الآخرين.
  • ضوابط التلقي والاستقبال: وتضم هذه الضوابط على حسن الاستماع للآخرين، وحسن الإقبال على الطرف المخاطب، وتجنب المقاطعة عند قيام الطرف المقابل بالحديث في أي موضوع كان.

عوائق التواصل

هناك مجموعة من العوائق النفسية والسلوكية التي تعيق التواصل وهي:

العوائق النفسية

وهي عبارة عن مجموعة من الأحاسيس والأفكار السلبية التي تدفع الشخص إلى الامتناع عن التواصل الفعال مع غيره، وهذه العوائق على نوعين، وهما:

  • عوائق الإرسال: وتتضمن هذه العوائق على مجموعة من الصفات السلبية التي يحملها الشخص؛ كالتعالي، والغرور بالنفس، وسوء الظن بالآخرين.
  • عوامل الاستجابة: وتشمل هذه العوامل عدة صفات كالكبر والجحود، بالإضافة إلى شعور الشخص بدونية الآخرين.

العوائق السلوكية

وهي عبارة عن عدة صفات منفرة، وتنقسم إلى نوعين هما:

  • عوائق التبليغ: وهي تضم تصرفات الشخص المنفرة؛ كالغضب والانفعال، والتعامل مع الآخرين بعنف وجبروت.
  • عوائق التلقي: وهي التي تشمل على تصرفات معينة للشخص مع الآخرين كالتعامل معهم بالاستهزاء والإعراض والغفلة.

 

 

مفهوم الحداثة - تحليل نص 'رأي في الحداثة' لمحمد عابد الجابري

 

 

سياق النص

النص محاولة من الدكتور محمد عابد الجابري للخوض في جدل عريض يدور في العالم العربي بشكل خاص حول مفهوم الحداثة وخلفياتها الفلسفية وتحققاتها الفعلية وعلاقتها بمنظومة القيم السياسية والاجتماعية والفنية وبماهية الإنسان في عالم رأسمالي يمجد الفرد ويقدسه، ولا يؤمن سوى بقدراته العقلية والمادية المتطورة باستمرار، إنه نوع من الإضافة التي يحاول الجابري ممارستها على مفهوم يبدو منفلتا من قبضة التحديد العلمي الصارم، ومرتبطا بقيود الواقع ورهانات المرحلة التاريخية وسيرورة المنجز الحضاري المتعدد والمختلف. ومن ثم فالنص مجرد رأي للباحث المغربي في الفلسفة والفكر والحضارة، ينبثق من قراءة لتحققات الحداثة في الأمم المتقدمة المشاركة في صناعة المشهد الحضاري العالمي الراهن سواء في أوربا أو أمريكا أو آسيا، وانعكاساتها على تداول الظاهرة وتنزيلها في واقع عربي تسوده أنظمة قروسطية.

ملاحظة النص

يطرح العنوان والملفوظ الأول والأخير في النص إشكال محاصرة مفهوم الحداثة معرفيا الذي يبدو أنه غير ممكن ، طالما أن بنية التصور المرتبط به نسبية ، وتثير الكثير من الجدل في علاقتها بالاختلاف الذي يسم الفكر والواقع لدى مهتمين متعددي المرجعيات والهويات والقناعات، والثابت الوحيد في الحداثات في نظر محمد عابد الجابري كما تحدده النظرة العمودية للنص هو انبناؤها على العقلانية والديموقراطية والحرية والحقوق، وما عدا ذلك فمجرد مواقف وممارسات لاعقلانية ولا علاقة لها بترقية الإنسان ماديا وفكريا واجتماعيا، وهو الهدف الرئيسي للحداثة. ذلك ما سنتحقق منه أثناء تحليلنا للنص.

فهم النص

يطرح النص حزمة من التصورات والقراأت المرتبطة بالحداثة تروم تصحيح بعض الأوهام والمغالطات التي رافقت هذا المفهوم في المتداول العربي فكريا وسياسيا واجتماعيا ، نجملها فيما يلي:

  • رفض الكاتب أن تكون الحداثة مفهوما مطلقا جاهزا ومغلقا، وربطه إياها بتحققاتها الواقعية وشروطها التاريخية التي أفرزت حداثات مختلفة في أوربا والصين واليابان والعالم العربي.
  • حصر الكاتب مفاصل الحداثة في العقلانية والديموقراطية المتجذرتين القادرتين على استئصال كل مظاهر الاستبداد، وتأصيل حداثة خاصة فاعلة في الحداثة العالمية لا منفعلة فحسب.
  • انتقاد الكاتب أصحاب الموقف الفردي الذين يتبنون الحداثة العالمية الجاهزة ، واعتباره طرحا انعزاليا جبريا وقسريا ومتجنيا على الغير رغم ما يوحي به من اشتعال الهدم وإعادة البناء داخل ثقافة ما ، وتأكيده على أن جوهر الحداثة، ليس التحديث من أجل التحديث، وإنما تحديث الذهنية والمعايير العقلية والوجدانية يتجاوز قيمة الفرد في ذاته ليطال الثقافة العامة.
  • رفض الكاتب دعوى من يرفعون شعار الحداثة لأجل الحرية الفردية فقط ، ويرفضون العقلانية لأجل القيود التي تفرضها على الحرية ، معتبرا دعواهم صدى لتيارات حداثية غربية معزولة، ومؤكدا على أن العقلانية في العلاقات والتصورات والسلوك في الحياة الفردية والجماعية هي سر التقدم الغربي.
  • اعتبار الكاتب أن الثورة التكنولوجية والمعلوماتية أخرجت العقلانية الغربية إلى لاعقلانية قوضت خصوصية الإنسان ككائن حر، أويسعى إلى استكمال وجوده الحر، ونقلت العلم والتكنولوجيا من خدمة الإنسان وحريته وحقوقه إلى إنتاج وسائل التدمير والتجسس والمحاصرة والتطويع، والرد الطبيعي سيمون بالتأكيد رفض هذه اللاعقلانية .
  • نسف الكاتب لموقف بعض أدعياء الحداثة العرب المتلبسين بالموقف العقلاني الغربي دون مرعاة اختلاف الواقع هنا وهناك، على اعتبار أن اللاعقلانية عند العرب مرتبطة بأشكال التخلف والاستبداد الي تقسم المجتمع إلى قطيع وراعي على شاكلة أنظمة القرون الوسطى ، ومن ثم فهذه اللاعقلانية المختلفة تاريخيا تحتاج أولا إلى العقلانية والديموقراطية التي بدأ بها الغرب الصناعي، بعبارة أخرى إلى نهضة وأنوار ومابعدهما.

تحليل النص

المستوى الدالي

يتوزع ألفاظ النص حقلان دلاليان رئيسيان هما: حقل الفكر والفلسفة، وحقل التاريخ والسياسة. ويمكن بيان كتلة انتشارهما في النص من خلال الجدول الآتي:

حقل التاريخ والسياسة حقل الفكر والفلسفة
ظاهرة تاريخية – شروط – ظروف – حدود زمنية – خط التطور – الصين – اليابان – أوربا – تجربة ياريخية – الوضعية الرهنة – الديموقراطية – الاستبداد – النظام – الغرب الصناعي – الاقتصاد – الإدارة – مؤسسات الدولة – الثورة التكنولوجية والمعلوماتية – القرون الوسطى – سلوك القطيع – عصا الراعي  … المعاصرة – العالمية – الحداثة المطلقة – النسبية – النهضة والأنوار – العقلانية – التراث – فاعلين – منفعلين – الأطروحة – المشكلة – التجربة – الفرد والغير – الجماعة – النقد – الإبداع – الثقافة – الذهنية – المعايير العقلية والوجدانية – العلم – التكنولوجيا – القيمة – الخصوصية – الكينونة – السلوك – اللاعقلانية – العلاقات – التصورات – الفكر – الحرية الفردية – الحقوق  …

وبتأملنا للمواد المعجمية المشكلة للحقلين بشكل متواز ومتساو تقريبا يتضح بجلاء أن الحداثة مفهوم وتجل، له خلفية فكرية وفلسفية تصنع أيقوناته التصورية التي تتكيف بشكل من الأشكال مع السياقات الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تشرط وجودها وتقولبها في قوالب تحافظ على المادة الخام للحداثة المرتبطة بتطوير حياة الإنسان تطويرا عقلانيا نفعيا يقود إلى الاكتمال والقوة والاكتفاء، وتحريرها من كل قيود الوصاية والكبت والانتهاك والتخلف، ولكن بمنطلقات ومسارات ونتائج مختلفة تبعا لطبيعة اللحظة التاريخية وذكاء الاستجابة ومرونتها وخاصية الإبداع والقدرة على التجاوز والتحدي لدى الجماعة والثقافة المعنية.

المستوى الدلالي

يرى الكاتب أن الحداثة من أجل الحداثة لا معنى لها، لأنها بذلك تتحول إلى مجرد شعار، أو قناع شكلى وإجراأت سطحية تزيينية لا عمق لها ولا جذور، وتؤول في النهاية إلى محاولة لسلخ الذات وجلدها واقتلاعها من شروط وجودها دون تأصيل للحرية والإبداع والتنمية والإنتاج، ولذلك يؤكد الجابري على كون الحداثة تجربة تاريخية عميقة تكابدها المجتمعات المدعوة نامية، ولكل مجتمع حداثته وفهمه الخاص للحداثة الذي لا يختلف عن التصور النموذجي لها في العمق ، لأنه يستحضر تاريخيته وجدلية الكوني والخاص في حياة الشعوب، فالحداثة نمط من المعرفة والسلوك يصعب استيعابه وتطبيقه دون فهم الشروط الذاتية لمجتمعات ما زالت تعيش التخلف والتقليد والاستبداد، هكذا تصبح الحداثة في نظر الجابري مشروعا معقدا لا مجرد شعار، أو نمط من الإيديولوجيا المسخرة في صراعات مفتعلة ، أو من أجل السطو على السلطة وتكريس مزيد من التبعية والجمود والتخلف ، مشروعا يضع ضمن أولوياته تثبيت العقلانية والديموقراطية كشرطين أساسيين لقيام أية حداثة، وبهذا تكون الحداثة إنجازا وليست نماذج للاستهلاك والإسقاط كما يحصل عندنا ، ولذلك فشلت حداثتنا، إنها صيرورة طويلة ومعقدة ومسبوقة بالوعي الحداثي العقلاني وببناء ديموقراطية حقيقية ، لا منطلقا علميا وسرا تمتلكه النخبة ، أو كائنا جاهزاماضويا أو مستوردا.

عمد الكاتب إلى اتباع سيرورة حجاجية من أجل الدفاع عن وجهة نظره ، والرد على معارضيه، ويمكن تتبع مراحل هذه السيرورة من خلال الجدول الآتي :

الأطروحة الحداثة موقف فردي وتحقيق للحرية الفردية الحداثة اختلاف في مفهوم والتطبيق محكوم بالصيرورة التاريخية لأمة ما، مشروطة بالعقلانية والديموقراطية.
نقيض الأطروحة الحداثة مفهوم كوني جاهز، ونسق فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي متكامل.
الاستدلالات شرط الفاعلية يقتضي الفهم الخاص للحداثة.
قصر الحداثة على الحرية الفردية يضرب مبدأ العقلانية كشرط لها.
اختلاف اللحظة التاريخية وشروط تحقق الحداثة في الأماكن المتعددة يدحض دعوى أصحاب المنظور الأحادي.
المحصلة المنطقية الحداثة ظاهرة تاريخية مرتبطة بصيرورة التطور ومشروطة بتوفر التفكير والسلوك العقلانيين والنظام الديموقراطي الحقيقي ـ رفض المطلق والجاهز يؤكده واقع الحداثة وتجاربها.

النص من حيث البنية المنطقية رد على معارض ضمني من سماته أنه من دعاة الحداثة بمفهومها الإطلاقي الشمولي المؤسس على الديموقراطية الليبرالية والعلمانية والعقلانية التجريبية المادية والعلمية والتقدمية والحرية الفردية وحقوق الإنسان باعتبارها نماذج ناضجة ونهائية في الفكر والممارسة الغربية حققت بعدها العالمي بعدما تبنتها المؤسسات والهيئات ذات القرار في المنتظم الدولي، وقد قام الجابري بتمحيص الرأي المعارض وإخضاعه للتحليل المنطقي وصولا إلى بيان ثغراته التي أضعفت حمولته المنطقية وقوته الاستدلالية، وحولته إلى خطاب إسقاطي دغمائي يبتعد عن جوهر الحداثة الذي من أجله حصل ما حصل في الغرب من تقدم، والمرتبط أساسا بتجذير التحول إلى العقلانية والديموقراطية بناء على إكراهات الخصوصية ومتطلبات المرحلة التاريخية والحيز المكاني ( الواقع الراهن ).

الأسلوب اللغوي

استعمل الكاتب روابط لغوية متعددة تناسب سيرورة الحجاج في النص ومن ضمنها استئناف الفقرات والجمل بألفاظ تحيل إلى الوثوقية وتعضد النزعة التمثيلية الاستقرائية ، وتؤمن الوظيفة الإقناعية من قبيل (الواقع أنه ، العمود الفقري الذي يجب ، فعلا لقد عمت العقلانية…) في جمل خبرية دقيقة في أبعادها الإشارية المباشرة والتي تركن أحيانا إلى الاطمئنان إلى بديهيات فلسفية مثل (ليست هناك حداثة مطلقة ـ الحداثة ظاهرة تاريخية ـ كلا ليست الحداثة موقفا فرديا إلا من حيث ارتباطها بالنقد والإبداع…)، ومن ضمنها أدوات التوكيد ( إن ـ أن ـ اللام ـ قد …) والعطف (الواو ، الفاء ـ عطوف البيان والنسق ) والقصر بأساليبه المختلفة (إنماـ النفي والاستثناء …) وتعابير التفسير والتفصيل (وبعبارة أخرى ـ باعتبار أن …)، وضمائر الفصل (إن الحداثة عندنا هي النهضة…، إن العمود الفقري هو العقلانية …) وأساليب النفي والإثبات وهي كثيرة ومسخرة لتثبيت موقف ونسف آخر، وأنماط من التكرار النسقي أو الدلالي أو بغرض التوكيد والتفسير( تكرار لفظ الحداثة ـ تكرار ألفاظ ذات حمولة فلسفية ـ تكرار نواسخ وأفعال وأسماء وقيود…)، والاستدراك والإضراب (ولكن مع ذلك ـ بل هي دوما ـ بل لقد خرجت …) وجمل الاعتراض (إن الحداثة هي، على الرغم من الأهمية التي تعطيها للفرد، ليست من أجل ذاتها …) وبعض أساليب التعريض والسخرية (بعض مدعي الحداثة عندنا يقلدون ـ بعض أدعياء الحداثة …)، وضمير النحن المضخم للذات المتحدثة باعتبارها ذاتا موثوقا بها في مضمار الحجاج والمناظرة الضمنية (نحن نعتقد أنه ـ فإننا لن ننجح …)، كل ذلك من أجل ضمان الاتصال الدلالي بين مكونات الملفوظ الحجاجي، وزيادة حدة الحضور الإيقاني للمعروض المنطقي، ووضع المتلقي في سياق تأويلي يحتاج إلى كثير من التركيز والانتباه، وربط المحمولات المنطقية بعضها ببعض تأمينا للانسجام وتلافيا للتناقض.

تركيب وتقويم

عرض النص مفهوم الحداثة باعتباره ظاهرة تاريخية مشروطة بالسياق الزمني والمكاني الخاص ومرتبطة جدليا بالعقلانية والديموقراطية، ونازع معارضي هذا المفهوم ممن يعتبرون الحداثة مفهوما كونيا كاملا لا يتجزأ يؤخذ كما هو باستدلالات منطقية قادته إلى تأكيد أطروحته التي نسج خيوطها في بداية النص، واستثمر العدة الأسلوبية الداعمة للحجاج بما فيها من روابط لغوية ومنطقية واستعمالات تعزز الوظيفة الإقناعية للغة المستعملة. وفي رأينا أن الحداثة كنموذج غربي منوه به، بالفهم الخاص أو الكوني، وإن حققت الكثير من التقدم العلمي وطورت الحياة المادية والاجتماعية للإنسان ، انتهت إلى تفريغ قيم العالم الحر من مدلولاتها بما أخفته من براغماتية ترتكز على منطق السوق والتجارة وتسوغ الهيمنة والاستعمار ونهب خيرات الشعوب الضعيفة وإخضاعها للتبعية وتبرر العنف والحروب ضدها ، وتهدد البيئة وتشوه الطبيعة الإنسانية، وتعتمد مقياس التبادل نموذجل أوحد للتواصل البشري حتى أصبح الأفراد في المجتمع الغربي ذرات مستقلة لا تربطها سوى علاقة الحاجة والمصلحة.

 

 

 

 

 

 مفهوم الحداثة - مدخل مفاهيمي 

 

 

مفهوم الحداثة

تعرف باللغة الإنجليزية باسم (Modernity)، وهي الشيء الجديد، والذي يعطي صورة معاكسة عن الشيء القديم، وتعرف أيضاً بأنها: الانتقال من حالة قديمة إلى حالة جديدة، تشمل وجود تغيير ما، أما عن دور الحداثة في التاريخ، فيعد الفيلسوف هيغل أول شخص اهتم بمفهوم الحداثة، وربطها مع التطوّرات الفكرية التي ظهرت في أوروبا، والتي اتّسمت بظهور تيارات أدبيّة وفنية لم تكن معروفة سابقاً.

وارتبطت أفكار الحداثة مع العلوم، والاختراعات فظهرت العديد من الوسائل التي لم تكن مكتشفة سابقاً، مثل: السيارات، والمصابيح الكهربائية، والهاتف، وغيرها لتساهم الحداثة في نقل العالم لعصر جديد أكثر تطوراً وفاعلية، وهذا ما ظهر في كل من القرنين التاسع عشر، والعشرين وما زال مستمراً حتى يومنا هذا.

وأثرت الحداثة بشكل ملحوظ على مسمّيات العصور التاريخيّة، فظهرَ كل من عصرالتنوير وعصر النهضة في أوروبا كعصرين جديدين، وأشار الفيلسوف هيغل لهذا التطوّر بأنه الانتقال إلى حقبة جديدة تختلف عن الحقب الماضية، وكأي مفهوم مستحدث واجهت الحداثة الكثير من الانتقادات؛ بسبب التغيّرات التي أدت إليها، والتي لا تتناسب مع الأفكار الشعبيّة، وآراء بعض الفلاسفة والمفكّرين.

التأسيس وأبرز الشخصيات

بدأ مذهب الحداثة منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي تقريبا في باريس على يد كثير من الأدباء السريالين والرمزيين والماركسيين والفوضويين والعبثيين،ولقي استجابة لدى الأدباء الماديين والعلمانين والملحدين في الشرق والغرب، حتى وصل إلى شرقننا الإسلامي والعربي. ومن أبرز رموز مذهب الحداثة من الغربيين :

  • شارل بودلير (1821– 1867) وهو أديب فرنسي أيضا نادى بالفوضى الجنسية والفكرية والأخلاقية ،ووصفها بالسادية أي التلذذبتعذيب الآخرين .له ديوان شعر مترجم بالعربية من قبل الشاعرإبراهيم ناجي ،ويعد شارل بودلير مؤسس الحداثة في العالم الغربي.
  • (لاديب الفرنسي غوستاف فلوبير (1821– 1880).
  • مالارامية (1842– 1898) وهو شاعر فرنسي ويعد أيضا من رموز المذهب الرمزي.
  • الأديب الروسي مايكوفوسكي، الذي نادى بنبذ الماضي والاندفاع نحو المستقبل.

ومن رموز مذهب الحداثة في البلاد العربية:

  • يوسف الخال، الشاعر النصراني وهو سوري الاصل رئيس تحرير مجلة الحداثية، وقد مات منتحراً أثناء الحرب الاهلية اللبنانية .
  • أدونيس (علي أحمد سعيد) نصيري سوري ويعد المروج الأول لمذهب الحداثة في البلاد العربية، وقد هاجم التاريخ الإسلامي والدين والأخلاق في رسالتة الجامعية التي قدمها لنيل درجة الدكتوراة في جامعة القديس يوسف في لبنان وهي بعنوان الثابت والمتحول.
  • عبد العزيز المقالح، وهو كاتب وشاعر يماني، وهو الآن مدير لجامعة صنعاء وذو فكر يساري.
  • عبد الله العروي، ماركسي مغربي.
  • محمد عابد الجابري مغربي.
  • الشاعر الفلسطيني محمود درويش.

خصائص الحداثة

للحداثة مجموعة من الخصائص، وهي:

  • ساهمت في تطوّر العديد من المجالات الاقتصاديّة، والصناعية.
  • ظهرت أجهزة إلكترونيّة لم تكن معروفة مسبقاً.
  • ساعدت على توفير الوقت، عن طريق الاعتماد على وسائل الاتصال الحديثة.
  • غيّرت الأفكار السائدة عند الناس.
  • تعتبر الأمور التراثيّة والتقليدية أشياء قديمة.
  • غيّرت من الصورة النمطيّة للمجتمعات.
  • طورت من المؤسسات والشركات في كافة المجالات التي تعمل بها.
  • طوّرت المؤسسات التعليمية عن طريق تغيير مفهوم التعليم التقليديّ، والاعتماد على التعليم الحديث.

مذاهب الحداثة الفكرية

أثرت وتأثرت الحداثة بمجموعة من المذاهب الفكريّة، فمنها من قَبِل الحداثة ومنها من رفضها، ولكل مذهب أسباب خاصة به، ساهمت في توجيه طبيعة تعامله مع مفهوم الحداثة، ومن هذه المذاهب:

الدادائيّة

هي أسلوب فكري انتشر في سنة 1916م، وتعتمد على احترام المشاعر، والآراء الفردية لكل شخص، وتهاجم الأفكار الحديثة، والتي ارتبطت مع مفهوم الحداثة، وتسعى إلى العودة للحياة التقليديّة، والقديمة بالابتعاد عن أي شيء حديث؛ بسبب أنّه لا يتناسب مع الحياة الاجتماعيّة.

السرياليّة

هي أسلوب فكريّ، ارتبط بالأفكار الفلسفيّة، والعلوم النفسية، التي نتجت عن التأثر بالحداثة الفكريّة، وكانت جزأً من الدراسات النفسية التي قام بها العالم فرويد، فتعتمد السريالية على العواطف، والعيش بعالم خيالي مليء بالأحلام، كوسيلة أفضل من الوجود في الحياة المنطقية، أو الواقعية التي يعيشها الإنسان.

الرمزية

هي أسلوب فكري يشير إلى أنّ مفهوم الحداثة يرتبط مع الخيال الإنسانيّ، والأوهام التي يعيشها الفرد، وأثر هذا النوع من الأفكار على الحياة الأدبية في أوروبا، وتحديداً على الشعر والرسم، فالشعراء والرسامون الذين اعتمدوا على الحداثة الرمزية، تركوا التقيّد بالقواعد الخاصة بالشعر، وفن الرسم، واستبدلوها بأمور جديدة، ومستحدثة، فواجه هذا المذهب الحداثي انتقاداً في المجتمعات الأوروبيّة.